السبت، 27 مايو 2017

الجزء الثاني - الفصل 9

الفصل التاسع




أصبح ونستون أشبه بجسم هلامي جراء ما أصابه من كلل، ويبدو أن كلمة (هلامي) هي الأبلغ والأدق وصفاً لحاله حتى أنها خطرت بباله تلقائياً، بل لقد خيّل إليه أن جسمه ليس بضعف الهلام فحسب بل بشفافيته أيضاً، وتملّكه إحساس بأنه إذا ما رفع راحته أمام عينيه ونظر فيها لأمكنه رؤية الضوء من خلالها لرقتها. كما بدا وكأن كل ما في عروقه من دماء قد استنزف وخلاياه اللمفاوية قد ضمرت في حمأة الأعمال الضخمة التي احتملها والتي لم تخلف وراءها منه غير هيكل هش من عظام وأعصاب وجلد. وبدا له أن كل شيء بات ينتج أثراً أضخم مما هو عليه في الواقع حتى أن رداءه صار يقرّح كتفيه والرصيف يؤلم قدميه، بل إن مجرد بسط قبضة يده وطيها قد غدا أمرآ يحتاج منه إلى جهد جهيد تكاد مفاصله تئن له أنينا.
ظل ونستون يعمل لأكثر من تسع عشرة ساعة في اليوم وعلى امتداد خمسة أيام وكان هذا شأن كل فرد آخر في الوزارة. والآن تم كل شيء ولم يعد لديه أي مهام من أي نوع، حزبية أو غير حزبية حتى صباح الغد، ومن ثم يمكنه أن يمضي ست ساعات في ملاذه الآمن وتسعاً في فراشه. تحت شمس الأصيل اللطيفة مشى ونستون على مهل في شارع قذر باتجاه حانوت السيد شارنتون وكان ينظر بعينين، عين يترقب بها ظهور الدوريات وعين ينظر بها أمامه رغم أنه كان يثق ثقة عمياء في أنه لن يتعرض لأي خطر في هذا اليوم. وكانت الحقيبة الثقيلة التي يحملها ترتطم بركبته مع كل خطوة يخطوها فتسبب له ألماً تسري وخزاته في كل ساقه، كانت تضم بداخلها الكتاب الذي أصبح في حوزته منذ ستة أيام ولم يفتحه بعد أو حتى يلقي عليه نظرة.
وفي اليوم السادس من أسبوع الكراهية وبعد كل ما أقيم من فعاليات تمثلت في المواكب والخطب والهتافات والأناشيد والرايات والملصقات والأفلام وتماثيل الشمع ودق الطبول ونفخ الأبواق ووقع أقدام الجنود وضجيج جنازير الدبابات وأزيز أسراب الطائرات ودوي المدافع - بعد ستة أيام حافلة بهذه المشاهد، وبعد أن كانت نشوة الكراهية قد بلغت ذروتها والكراهية العامة لأوراسيا قد بلغت بالجماهير المحتشدة درجة الغليان والاهتياج حتى أنهم لو ظفروا بالألفي أوراسي من مجرمي الحرب الذين كان سيجري إعدامهم شنقاً على الملأ في اليوم السابع والأخير من الاحتفالات، لمزقوهم إرباً إرباً، في هذه اللحظة من الهيجان أُعْلِن أن أوقيانيا لم نكن بأي حال في حرب مع أوراسيا بل كانت في حرب مع إيستاسيا، أما أوراسيا فكانت حليفتها.
وطبعاً لم يعتبر الحزب أن تغييراً ما قد حدث، فكل ما هنالك أنه تم الإعلان على نحو مفاجئ وفي كل صقع من أصقاع البلاد بأن إيستاسيا لا أوراسيا هي العدو. وكان ونستون، في تلك اللحظة التي أعلن فيها هذا البيان، يشارك في تظاهرة بإحدى ساحات وسط لندن، كان ذلك خلال الليل ما جعل الوجوه البيضاء والرايات القرمزية تتلألأ في الأنوار المضيئة وكانت الساحة تعج بآلاف من الناس، بينهم ألف من أطفال المدارس يلبسون زي الجواسيس، وعلى منصة موشاة باللون القرمزي وقف عضو من الحزب الداخلي يخطب ويهيّج الجماهير: رجل نحيل ضئيل الجسم ذو ذراعين طويلتين لا تتناسبان مع جسمه، وجمجمة صلعاء تنتشر فوقها بصورة مبعثرة بضع خصلات هزيلة من الشعر، وقف بقامته القصيرة وهو يقبض على عنق الميكروفون بكف فيما بكفه الأخرى، التي تنتهي بها ذراعه ذات العظام الناتئة، يلوّح في الهواء مهدداً ومتوعداً. كان صوته يبدو رنانا بفعل المكبر وهو يدوي مندداً بالفظائع والمذابح وأعمال الترحيل والإبعاد والسلب والنهب والاغتصاب وتعذيب الأسرى وقصف المدنيين العزل وإلقاء المنشورات والدعايات الزائفة والاعتداءات وخرق المعاهدات، ولم يكن باستطاعة المرء وهو يصغي إليه إلا أن يصدقه أو يقتنع بكلامه أو ينتابه سعار من الغضب من هول ما يسمع. كانت الصرخات الغاضبة تتعالى هادرة بين الفينة والأخرى من آلاف الحناجر بلا قدرة على كبحها حتى تغدو مثل زئير الوحوش فتطغى على صوت الخطيب، وعن أطفال المدارس كانت تصدر أعلى الصيحات وأكثرها وحشية. كان قد مضى زهاء عشرين دقيقة من الخطاب عندما شوهد رسول يشق طريقه إلى المنصة ويدس قصاصة من الورق في يد الخطيب الذي قرأها بدوره على الفور، ودون أن يتوقف عن الخطابة، ورغم انه لم يطرأ أدنى تغيير على نبرة صوته أو طريقة إلقائه أو على مضمون خطابه، فقد وقع تغيير مفاجئ في المسميات، وسرعان ما فطنت الجماهير وأدركت حقيقة ما جرى؛ وهي حقيقة مفادها أن أوقيانيا إنما كانت في حرب مع إيستاسيا! وفي اللحظة التالية ساد المكان حالة من الهرج والمرج بعدما أدركوا أن كل الرايات والملصقات التي زينت بها الساحة كانت خاطئة! وكان نصفها يحمل صوراً مغلوطة. وصاح بعضهم بأن ذلك ضرب من ضروب التخريب! وبأن عملاء غولدشتاين هم الذين يقفون وراء هذا العمل! وإثر ذلك ساد جو من الفوضى والشغب حيث نزعت الملصقات عن الجدران ومزقت الرايات وديست بالأقدام، وبذل الجواسيس جهداً مضنياً لتسلّق أسطح المنازل لتقطيع الأعلام التي كانت ترفرف فوق الأسطح متدلية من المداخن. ولكن في غضون دقيقتين أو ثلاث كان كل شيء قد انتهى، وراح الخطيب يواصل خطابه وهو لم يزل يقبض على عنق الميكروفون وكتفاه محدودبتان إلى الأمام ويده الخالية تلوّح في الهواء. وبعد دقيقة أخرى كانت الجماهير قد انخرطت من جديد في صرخات غاضبة وحشية، وتواصل سعار الكراهية تماماً كما كان، عدا أن شيئاً واحداً تغير وهو الهدف الذي يصبّون عليه جام كراهيتهم.
لكن الأمر الذي ترك أثراً واضحاً في ونستون هو أن الخطيب كان ينتقل من سطر إلى آخر دون أن يكمل جمل خطبته، وليس هذا فحسب بل ودون توقف أو حتى خرق قواعد النحو. ولكنه تنبه إلى أن لديه أموراً أخرى تشغله في هذه اللحظة، ففي اللحظة التي عم فيها الاضطراب وبينما كانت الجماهير تمزق الملصقات إذا برجل لم ير ونستون وجهه يربت على كتفه قائلاً: «عفوا، أظن أن حقيبتك قد سقطت منك»، فتناول ونستون الحقيبة منه وهو شارد الذهن من دون أن ينبس ببنت شفة، وكان يدرك أنه سوف تنقضي أيام قبل أن تتاح له فرصة النظر إلى ما في داخلها. وما إن انتهت التظاهرة حتى عاد رأساً إلى وزارة الحقيقة رغم أن الساعة كانت قد قاربت الحادية عشرة ليلاً، وكذلك فعل جميع موظفي الوزارة امتثالاً للأوامر الصادرة من شاشة الرصد رغم أن مثل هذه الأوامر لم تكن ضرورية.
كان السبب الذي استُدعي من أجله جميع الموظفين في هذه الساعة المتأخرة من الليل هو أن أوقيانيا قد باتت في حالة حرب مع إيستاسيا، بل إن أوقيانيا كانت دائمًا، ولم تزل، في حرب مع إيستاسيا. وكان ذلك يعني أن جزءاً هائلاً من الأدبيات السياسية التي صدرت على مدى خمس سنوات قد أصبحت باطلة ويتعين القيام بعملية تنقيح سريعة لكل التقارير والسجلات على اختلاف أنواعها، والجرائد والكتب والكتيبات والأفلام والأشرطة الصوتية والصور. ورغم أنه لم تصدر أي توجيهات، فقد كان معلوماً أن رؤساء الأقسام يعتزمون عدم الإبقاء على أي إشارة إلى الحرب مع أوراسيا أو التحالف مع إيستاسيا في غضون أسبوع واحد. لقد كانت المهمة جسيمة للغاية، لكن ما زاد الطين بلة هو أن هذه العمليات لم تكن تسمى بأسمائها الحقيقية، وكان كل شخص في قسم السجلات يعمل على مدار ثماني عشرة ساعة في اليوم والليلة، ولا ينعم سوى بساعتي نوم أو ثلاث. وقد جيء بالأغطية والفرش من الأقبية وبسطت في جميع الممرات كما أعدت وجبات سريعة تتألف من سندويشات وقهوة النصر يدور بها الخدم على عربات لتقديمها إلى الموظفين دون أن يبرحوا مكاتبهم. كان ونستون قبل كل مرة يذهب فيها لأخذ نوبة نوم يحاول جاهداً أن ينتهي من العمل المكدّس فوق مكتبه، لكنه كان في كل مرة يعود مجهد الجسد والعينين ليجد مكتبه وقد تكدس مرة أخرى بلفافات الورق التي كانت تغطي مكتبه مثل ندف الثلج وتطمر جهاز الحاكي الكاتب حتى نصفه وتفيض على الأرض، مما يجعل مهمته الأولى رصها في كومة مرتبة حتى يعطي لنفسه حيزاً ليعمل. إلا أن أسوأ ما في الأمر هو أن العمل كان ميكانيكياً محضاً إذ غالباً ما كان يكفي أن تستبدل اسماً باسم آخر، أما حينما يتعلق الأمر بتقارير مفصلة للأحداث فإنه كان يتطلب عناية وخيالاً، وحتى المعلومات الجغرافية التي يحتاج إليها المرء لنقل الحرب من جزء من العالم إلى جزء آخر تتطلب جهداً جبارا.
في اليوم الثالث راحت عيناه تؤلمانه أشد الألم، وبات مضطرا لمسح نظارته كل بضع دقائق، لقد كان العمل أشبه بصراع مضن لا بد أن يحسمه. وحسبما يتذكر ونستون، لم يكن يؤرقه أن كل كلمة يمليها إلى الحاكي الكاتب، وكل حرف يخطه كان بمثابة كذبة متعمدة، بل كان همه منصبّاً، شأنه شأن بقية الموظفين، على أن تخرج عمليات التزوير متقنة. وفى صبيحة اليوم السادس انخفض تدفق الأوراق إليه وأصبح يفصل بين كل لفافة وأخرى من الورق حوالي النصف ساعة. وكانت حدة العمل قد خفت في كل مكان في التوقيت نفسه وتنفس جميع موظفي القسم الصعداء خفية، لما لا وقد تم إنجاز عمل جبار لم يكن أحد يتصوره، وأصبح في حكم المستحيل على أي إنسان أن يأتي بدليل وثائقي يثبت أن حرباً ما وقدت بين أوقيانيا وأوراسيا. وفي الساعة الثانية عشرة أعلن على نحو مفاجئ أن جميع الموظفين في الوزارة في حِلّ من أمرهم حتى صباح اليوم التالي.
كان ونستون، الذي ما يزال يحمل الحقيبة المحتوية على الكتاب فيضعها بين قدميه أثناء ساعات العمل وتحت جسمه أثناء نومه، قد مضى إلى البيت، وهناك حلق ذقنه وكاد ينام في الحمام رغم أن الماء لم يكن ساخناً، وقرر الذهاب إلى المخبأ.
بشيء من الصرير المثير للرغبة في مفاصله راح ونستون يصعد السلم المؤدي إلى غرفته الكائنة فوق حانوت السيد شارنغتون. وحينما دلف إلى الغرفة أحس بإعياء شديد ولكنه لم يشعر بأية رغبة في النوم. فتح النافذة وأشعل موقد الزيت ووضع غلاية الماء على النار وراح ينتظر قدوم جوليا. وفي أثناء ذلك تذكر الكتاب فجلس في مقعد بائس ذي ذراعين وفك حزامي الحقيبة.
أخرج منها مجلداً أسود ثقيلاً، ملفوفاً بعناية، ولا يحمل اسماً أو عنواناً، وبدت طباعته أيضاً غير عادية. وكانت الصفحات مهترئة عند أطرافها لكن تقليبها لم يكن يحتاج إلى عناء كلما لو أن أيد كثيرة قد تداولته. وكان عنوان الصفحة الأولى يقول ما يلي:
حكم الأقلية الطاغية
نظرية وتطبيقا
بقلم إيمانويل غولدشتاين
وراح ونستون يقرأ:
الفصل الأول
الجهل هو القوة
عبر التاريخ المعروف للإنسان، بل وربما منذ نهاية العصر الحجري، كان هنالك ثلاث فئات من البشر أو بالأحرى ثلاث طبقات في العالم: العليا والوسطى والدنيا، وقد قسمت هذه الطبقات فيما بينها طبقات أخرى فرعية، وحملت أسماء مختلفة لا حصر لها ولا عد، أما النسب التي تمثلها وكذا مواقفها إزاء بعضها البعض فقد تباينت من عضو لآخر، غير أن التركيبة الأساسية للمجتمع ظلت كما هي لم تتغير أبداً، بل حتى بعد اندلاع الثورات العارمة وما أحدثته من تغيرات تبدو لا رجعة عنها، فان في ذلك النموذج يعود فيؤكد نفسه مثلما تفعل مروحة السفينة التي تعاود توازنها سواء أدرتها في هذا الاتجاه أو في ذاك. وأما أهداف هذه الطبقات فكانت متضاربة ولا يمكن التوفيق بينها على الإطلاق ...
وتوقف ونستون عن القراءة ريثما يستوعب حقيقة أنه أضحى يقرأ مرتاح البال وآمنا على نفسه، وأن خصوصيته محفوظة، فليس هنالك شاشة رصد مسلطة عليه ولا أذن تسترق السمع من وراء حجاب، ولا هاجس عصبي يجعله ينظر وراءه ولغطي بيده صفحة يقرأها. كانت نسمات الصيف العليلة تداعب وجنتيه، ومن مكان بعيد كانت تتناهى لسمعه أصوات خافتة لأطفال في الشوارع، وأما في الغرفة نفسها فلم يكن هنالك غير صوت دقات الساعة، ولذا فقد استرخى في مقعده واضعاً رجله على حاجز المدفأة وأحس كما لو أنه في جنة الخلد. وفجأة وكما يفعل المرء بكتاب يدرك أنه لا بد أن يقرأه مرات ومرات، فقد راح ونستون يتصفح الكتاب سريعاً حتى بلغ الفصل الثالث منه فاخذ يقرأ:
الفصل الثالث
الحرب هي السلام
إن انقسام العالم إلى ثلاث دول عظمى حدثٌ كان يمكن التكهن به قبل منتصف القرن العشرين؛ فمع ابتلاع روسيا لأوروبا، وابتلاع الولايات المتحدة للإمبراطورية البريطانية، فإن اثنتين من القوى العظمى الثلاث، هما أوراسيا وأوقيانيا، قد برزتا فعليا إلى الوجود، أما القوة الثالثة وهي إيستاسيا فلم تظهر كوحدة مستقلة واضحة المعالم إلا بعد عقد من الزمن تخلله اقتتال فوضوي، وكانت الحدود القاصلة بين الدول العظمى الثلاث في بعض البقاع عشوائية بينما كانت في البعض الآخر تتباين حسب رجحان كفة كل دولة أثناء التحارب، وإن كانت في أغلب الأحيان تتبع خطوطًا جغرافية. وتتألف أوراسيا من تلك الأراضي الشاسعة شمال أوروبا وآسيا والتي تمتد من البرتغال إلى مضيق بيرينغ، أما أوقيانيا فتضم الأميريكتين وجزر المحيط الأطلنطي بما فيها الجزر البريطانية وأستراليا والجزء الجنوبي من أفريقيا، في حين كانت إيستاسيا أصغر مساحة من الدولتين الأخريين وذات حدود غربية اقل تحديدًا، وتتألف من الصين والأقطار الواقعة جنوبها ومن الجزر اليابانية وشطر كبير من منشوريا ومنغوليا وهضبة التبت وكانت تتغير مساحتها حسب سير العمليات الحربية.
وكانت هده الدول العظمى الثلاث في حالة حرب مستمرة مع تغير في التحالفات والعداءات، وعلى مدى الخمس والعشرين سنة الماضية لم تتوقف رحى الحرب التي لم تعد ذلك الصراع المتهور الذي يهدد بقاء الجنس البشري كما كان عليه الحال في العقود الأولى من القرن العشرين، وإنما كانت حربًا ذات أهداف محدودة بين دولتين متحاربتين لا تملك أي منهما القدرة على تدمير غريمتها ودون أن يكون لدى أي منهما سبب واضح للاقتتال، كما لم تكن بينهما خلافات أيديولوجية حقيقية. لكن هذا لا يعني أن سير الحرب أو الموقف منها قد أصبع أقل تعطشًا للدماء أو أكثر شهامة ونبلًا، بل على النقيض من ذلك، أصبحت الحرب أشبه بهستيريا متواصلة استشرت في جميع البلاد، وأصبع الشعب ينظر إلى جرائم الاغتصاب والسلب والنهب وذبح الأطفال وتحويل سكان الطرف المهزوم عن بكرة أبيهم إلى عبيد، والانتقام من الأسرى بشتى الوسائل التي قد تبلغ حد حرقهم أحياء أو غليهم في الماء، باعتبارها حقًا طبيعيًا ويستحق الثناء ما دام مرتكبوها هم الطرف الذي يؤيده الشعب وليس العدو. ولكن الحرب من ناحية أخرى لم تعد تشمل على أعداد محدودة للغاية من قوات خاصة جيدة التدريب لا تتسبب في خسائر فادحة مقارنة بالحروب السابقة. وكانت رحى الحرب حينما تدور فإنها تدور في مناطق حدودية غامضة لا يعرف المواطن العادي عنها غير تكهنات وتخمينات، أو حول القلاع العائمة التي تحرس نقاطاً استراتيجية في المضائق والموانئ البحرية. أما في المدق الكبرى فالحرب لا تعني أكثر من تناقص مستمر في السلع الاستهلاكية وسقوط القذائف الصاروخية التي قد تودي بحياة العشرات من الأشخاص من حين لآخر. وفي واقع الأمر يمكن القول إن طبيعة الحرب قد تغيرت، أو إذا شئنا الدقة فإن الأسباب التي من أجلها تُشن الحروب قد تغير ترتيبها على سلم الأولويات، فالدوافع التي كانت حاضرة حضورًا خافتاً في الحروب العظمى التي اندلعت في أوائل القرن العشرين باتت اليوم هي الدوافع الأبرز والمحركة لرحى الحروب.
ولكي نفهم طبيعة حروب اليوم - والتي ورغم أن خريطة التحالفات لا تفتأ تتغير كل بضع سنوات، فإنها جميعاً متشابهة - فعلى المرء أن يقرّ أولًا بأن الحرب لم تعد تحسم أي صراع، فما من دولة من بين هده الدول العظمى الثلاث يمكن قهرها تماماً حتى لو اجتمعت الدولتان الأخريان معاً، فهنالك توازن قوى بين ثلاثتهم فضلًا عن أن لكل واحدة منها دفاعاتها المنيعة؛ فبينما تحتمي أوراسيا بأراضيها البرية الشاسعة وتحتمي أوقيانيا بالمحيطين الأطلنطي والهادئ، فإن إيستاسيا تحتمي بكثرة سكانها وتفانيهم في العمل، ثم ثانياً لم يعد هنالك ذلك الشيء المحسوس الذي يستحق الاقتتال حوله. وفي ظل اقتصادات الاكتفاء الذاتي والتي يتوازن فيها الإنتاج والاستهلاك فقد توقف التسابق على الأسواق والذي كان سبباً أساسيًا في نشوب الحروب في الماضي كما لم يعد التنافس على المواد الخام مسألة حياة أو موت، فكل دولة من هذه الدول العظمى الثلاث هي من الاتساع بحيط يمكنها تدبير احتياجاتها من هذه المواد من أراضيها ذاتها. وإذا كان لا بد للحرب من دوافع اقتصادية مباشرة، فقد أضحى ذلك ينحصر في الصراع من أجل الحصول على الأيدي العاملة. وفيما بين هذه الدول هنالك تخوم لا تخضع لسيطرة واحدة منها دون الأخريين بشكل دائم وهي بمثابة مناطق بينية رباعية الأضلاع تنتهي زواياها عند طنجة وبرازافيل وداروين وهونغ كونغ والتي تضم فيما بينها خمس سكان الأرض، وتدور رحى صراع لا يتوقف بين القوى الثلاث من أجل السيطرة على هذه المناطق ذات الكثافة السكانية إضافة إلى منطقة القطب الشمالي. ولم تستطع أي من هذه القوى فرض سيطرتها على كامل المنطقة المتنازع عليها، إذ تتقاسمها الدول فيما بينها على نحو مستمر، وكانت فرصة اقتطاع هذا الشطر أو ذاك لصالح دولة ما، لا تسنح إلا بلجوء هده الدولة لاستخدام الهجمات الخاطفة والمباغتة وهو الأمر الذي يفرض التغيرات الدائمة في التحالفات بين هذه الدول.
وتعتبر جميع المناطق المتنازع عليها غنية بالثروات، فمنها ما هو غني بالثروة المعدنية ومنها ما هو غني بالمنتجات الزراعية الهامة كالمطاط والذي تضطر الدول ذات المناخات الباردة إلى إنتاجه صناعيًا بطرق باهظة التكاليف. وفضلًا عن ذلك كله فإن هذه المناطق تمتلك احتياطياً لا ينفد من العمالة الرخيصة، ومن ثم فإن أي قوة تسيطر على أفريقيا الاستوائية أو بلدان الشرق الأوسط أو الأرخبيل الإندونيسي، تمتلك أيضا حق التصرف في مئات الملايين من العمالة الماهرة الرخيصة، وكان الحال يسوء بسكان هذه المناطق بحيث يصبحون أقرب إلى العبيد، إذ كانوا ينتقلون على نحو دائم من يد قوة غازية ليد قوة أخرى، كما كانوا يُستنفدون كالفحم والزيت في سباقات التسلح وفي التنافس من أجل حيازة المزيد من الأراضي وامتلاك المزيد من الأيدي العاملة وإنتاج المزيد من السلاح وهكذا دواليك. وجدير بالملاحظة أن الاقتتال لم يكن يتعدى أطراف المناطق المتنازع عليها، ولذلك كانت حدود أوراسيا تمتد وتنحسر فيما بين حوض نهر الكونغو والساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط. وأما جزر المحيط الهندي فهي محور نزاع دائم ما بين أوقيانيا وإيستاسيا، تارة تؤول لهذه وتارة تؤول لتلك. وفي منغوليا لم يكن خط التقسيم بين أوراسيا وإيستاسيا مستقًرا أبدًا، كما كانت القوى الثلاث تدّعي ملكية أراض شاسعة في المنطقة القطبية والتي هي في واقع الأمر غير مأهولة ولم تستكشف بعد، ومع ذلك كله فقد كانت موازين القوى تظل متعادلة دائماً كما تظل الأراضي التي تشكل قلب كل من القوى الثلاث حرمًا لا ينتهك. وعلاوة على ذلك فإن الأيدي العاملة للشعوب المستغلة حول خط الاستواء ليست ضرورية حقاً في الاقتصاد العالمي وذلك لأنها لا تضيف شيئاً إلى ثروة العالم طالما أن كل ما تنتجه تبتلعه آلة الحرب، وما دام الهدف من وراء كل حرب أن تصبح الدولة في وضعية أفضل لشن حرب أخرى. ويعتبر ما ينتجه هؤلاء السكان المغلوبون على أمرهم بمثابة الوقود للحرب. غير أنه لو فرض عدم وجود هده الأيدي العاملة، فإن ذلك لن يحدث تغييرًا جوهرياً في تركيبة المجتمع الدولي ومسألة حفاظه على وجوده.
إن الهدف الأساسي للحرب الحديثة (وفقاً لمبادئ ازدواجية التفكير، وهو هدف تعترف به الأدمغة الموجهّة في الحزب الداخلي وتنكره في آن واحد) هو الإفادة مما تنتجه الآلة دون رفع المستوى العام للمعيشة. ومنذ نهاية القرن التاسع عشر ظل التخلص من فائض السلع الاستهلاكية يمثل مشكلة كامنة في المجتمعات الصناعية، أما في الوقت الحاضر حيث لا ينال إلا قلة من الناس كفايتهم من الغذاء، فإن هذه المشكلة تصبح غير ملحّة وربما لم تكن لتصبح ملحّة حتى لو لم تكن عمليات التدمير العمدي قائمة على قدم وساق. إن عالم اليوم عالم متهاوٍ جائع عارٍ مقارنة بعالم ماً قبل 1914، بل وتصبح صورته أكثر قتامة إذا ما قورنت بصورة المستقبل الذي كانت تصبو إليه الشعوب في تلك الحقبة. ففي مطلع القرن العشرين كانت رؤية ومخيلة كل مثقف لمجتمع المستقبل تشيران إلى أن العالم سيبلغ مستوى لا يصدق من الترف والثراء والنظام والكفاءة - عالم متلألئ من الزجاج والفولاذ والأسمنت الأبيض ذي المناعة ضد الجراثيم. كان العلم والتكنولوجيا يتقدمان بسرعة مذهلة وكان من الطبيعي أن يظن الناس أن ذلك التقدم سيتواصل، ولكن خابت ظنونهم بسبب حالة الإفقار التي جلبتها على العالم سلسلة طويلة من الحروب والثورات من ناحية، ولأن التقدم العلمي والتقني يعتمد على الفكر التجريبي والذي لا مجال في مجتمع يسير وفق نسق صارم لأن يخرج عنه. وبصفة عامة يمكن القول بأن عالم اليوم أكثر بدائية مما كان عليه قبل خمسين سنة. صحيح أن تقدماً قد حصل في بعض المجالات المتأخرة وأنه قد جرى اختراع بعض الآلات التي كانت دائماً ذات صلة بالحروب وبعمليات التجسس، لكن الصحيح أيضًا أن التجارب والاختراعات قد أوقفت على نطاق واسع، كما أن العالم لم يبرأ بعد من الويلات التي خلفتها الحرب الذرية التي نشبت في خمسينيات القرن العشرين، وما زالت المخاطر التي رافقت طهور الآلة قائمة. فمنذ اللحظة التي ظهرت فيها الآلة للمرة الأولى بدا جلياً لكل ذي عقل أنه لم تعد ثمة حاجة إلى استعباد الناس ومن ثم إلى فرض نظام طبقي لا يساوي بينهم. ولو أن الآلة كانت قد وُظفت بعناية لإنجاز هذه الغاية، لأمكن استئصال شأفة الفقر والجهل والمرض خلال أجيال قليلة. وفي الواقع إن الآلة ورغم أنها لم تستخدم لهذه الغاية وإنما استخدمت في إنتاج ثروات يستحيل عدم توزيعها، قد أدت إلى رفع المستويات المعيشية لدى الإنسان العادي بدرجات هائلة على مدى خمسين سنة تمتد من أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين.
بيد أنه كان من الجلي أيضاً أن هذه الزيادة الهائلة في الثروة تمثل تهديداً، أو بالأحرى تؤدّي إلى تقويض المجتمع الطبقي، وفي عالم أصبح كل فرد فيه يعمل سويعات قلائل ولديه ما يكفيه من الطعام ويسكن بيتاً مجهزاً بالسخان والثلاجة ويملك سيارة فارهة أو حتى طائرة، فإن أوضح بل وربما أهم أشكال عدم المساواة بين الناس تزول وتختفي. وإذا ما عمت تلك الثروة بين الناس فإنها لن تصبح وسيلة للتمييز بين الناس. ومما لا شك فيه أنه بالإمكان تخيل مجتمع تكون فيه الثروة، المتمثّلة في حيازة الممتلكات الشخصية والكماليات، موزعة توزيعاً عادلًا بينما تظل السلطة محصورة في أيدي طبقة قليلة صغيرة العدد تحظى بامتيازات. ولكن مجتمعاً مثل هذا المجتمع لا يُكتب له أن ينعم بالاستقرار طويلا على أرض الواقع، ذلك أنه إذا حظي جميع أفراد المجتمع وعلى السواء بالأمن والرفاه فإن العدد الأكبر من البشر الذين يخدرهم الفقر سيغدون مثقفين وسيتعلمون أن يفكروا لذواتهم، وعندما يتم لهم ذلك فإنهم، إن عاجلًا أو آجلًا، سيفطنون إلى أنه لا فائدة ترجى من الأقلية صاحبة الامتيازات وسيعملون على إزاحتها عن سدة السلطة. وبالتالي فإن المجتمع الطبقي لا يمكن أن يستمر إلا مع الفقر والجهل. وأما العودة إلى المجتمع الزراعي، حسبما حلم به بعض المفكرين في بدايات القرن العشرين، فليس حلًا يمكن تطبيقه، إذ يتعارض ذلك مع الاتجاه نحو الاستخدام واسع النطاق للآلة والذي أصبح أمرًا شبه غريزي في جميع أنحاء العالم تقريباً، وفضلًا عن ذلك فإن أي بلد يتخلف من الناحية الصناعية يصبح بالتالي عاجزًا من الناحية العسكرية وعرضة لعمليات الهيمنة المباشرة أو غير المباشرة من قبل منافسيه الأكثر تقدمًا.
كما أنه لم يكن بالحل المرضي أن نبقي الجماهير تحت وطأة الفقر بتقليص ما ينتج من السلع، وهو ما حدث بصورة واضحة في آخر أطوار الرأسمالية ما بين 1920 و1940، حيث انهارت اقتصادات العديد من البلدان كما تركت مساحات من الأرض بغير استغلال، ولم يتراكم رأس المال وحيل بين أعداد غفيرة من الناس وبين العمل وتركوا ليعتمدوا على معونات الدولة التي كانت بالكاد تقيم أودهم، ولكن ذلك أيضاً قد أفضى إلى حالة من الوهن العسكري، ولأن حالة العوز التي نزلت بهم إثر ذلك لم يكن لها ما يبررها مما جعل ظهور المعارضة أمرًا محتومًا. وكانت المشكلة تكمن في كيفية جعل عجلة الصناعة تدور دون أن ينعكس ذلك زيادة على الثروة الحقيقية للعالم، ما يعني أنه يتعين الاستمرار في إنتاج السلع ولكن دون توزيعها، ولا سبيل لتحقيق هذه المعادلة على أرض الواقع إلا بالحرب المستمرة.
إن هدف الحرب الأساسي هو إنزال الدمار، ليس بالضرورة بحياة الناس، بل بنتاج العمل الإنساني، فالحرب هي السبيل لتبديد وإهدار موارد كان من شأنها لو استخدمت فيما ينفع الجماهير العريضة أن ترتد عليهم بالخير والرفاهية، وأن تجعلهم على المدى الطويل أكثر وعياً وإدراكًا للأمور من حولهم. وحتى إذا لم يتم تدمير ما أنتج من أسلحة في حرب فعلية، فإن عملية تصنيعها تبقى في حد ذاتها طريقة لاستنفاد الجهد البشري دون إنتاج أي شيء يمكن أن يعود بالنفع على الناس؛ فبناء قلعة عائمة مثلا يستلزم عملًا كان يكفي لبناء المئات من سفن الشحن، وفي نهاية المطاف تتمّ إحالة القلعة إلى التقاعد وتصبع غير صالحة للاستعمال دون أن تعود بأي نفع مادي على الإنسان، فيتم تجنيد طاقات هائلة أخرى لبناء قلعة أخرى. ومن حيث المبدأ فإن المجهود الحربي يتم التخطيط له دائماً بحيث تلتهم الحرب كل فائض قد يتبقى بعد تلبية الاحتياجات الأولية للسكان. وفي واقع الأمر فإن هذه الاحتياجات يتم تقديرها بأقل مما هي عليه، الأمر الذي ليؤدي إلى وجود نقص حاد في ضروريات الحياة، ومع ذلك يُنظر إلى هذا الأمر على أنه ذو فائدة كبيرة. ومن السياسات المرسومة بعناية أيضاً سياسة الإبقاء حتى على الفئات المُرضى عنها على شفا العوز والحاجة، ذلك أن ندرة السلع بصفة عامة تزيد من أهمية الامتيازات الصغيرة التي يحظى بها هؤلاء وبالتالي توسع الفروق بين فئة وأخرى. ومقارنة بالمعايير التي كانت سائدة في أوائل القرن العشرين فإنه يتبين أن حياة عضو الحزب الداخلي قد أصبحت حياة شظف وعناء، ومع ذلك فإن القليل من كماليات الحياة التي يتمتع بها مثل الشقة الفاخرة والنوعية الجيدة لثيابه وطعامه وتبغه فضلًا عن خدمه وسيارته الخاصة أو الطائرة الموضوعة تحت تصرفه، كل هذا ليجعله وكأنه يعيش في عالم مختلف عن العالم الذي يعيش فيه أعضاء الحزب الخارجي، والذين يتبين أنهم يتمتعون بامتيازات إذا ما قورنوا بالجماهير المسحوقة التي نطلق علسها اسم «العامة». ومن ثم يغدو الجو الاجتماعي أشبه بجو مدينة ضُرب عليها حصار جعل حيازة قطعة من لحم الخيل بمثابة الخط الفاصل بين الثراء والفقر. وفي الوقت نفسه فإن إدراك المرء لكونه في حالة حرب ومن ثم تتهدّده الأخطار يجعل من تسليم كل السلطات لحفنة صغيرة من الناس أمراً طبيعياً وشرطاً محتوماً للبقاء على قيد الحياة.
كدلك سنرى أن الحرب لا يُحدث الدمار المطلوب فحسب، بل تحدثه مصحوباً بأثر نفسي. فمن حيث المبدأ يمكن بسهولة استنفاد الفائض في العالم ببناء المعابد والأهرامات أو بحفر خنادق ثم ردمها مرة ثانية، أو حتى بإنتاج كميات هائلة من السلع ثم إضرام النار فيها، ولكن هذه الطريقة يمكن أن توفر الأساس الاقتصادي دون العاطفي للمجتمع الطبقي. وما يهمّ هنا ليست الحالة المعنوية للجماهير المهمَّشة التي لا وزن لمواقفها ما دامت تعمل بلا انقطاع، وإنما الحالة المعنوية للحزب نفسه، إذ من المفترض أن يكون أدنى أعضاء الحزب مرتبة كفؤًا ومجدًا في العمل ويتمتع بقدر محدود من الوعي، ولكن من اللازم أيضاً أن يكون شخصاً سريع التصديق ومتعصباً عن جهل لعقيدته وتتملكه مشاعر الخوف والكراهية والتملق والانتصارات الزائفة، وبعبارة أخرى يتعين أن تتوفر له عقلية تتلاءم مع حالة الحرب، وليس مهماً أن تكون ثمة حرب تدور رحاها فعلًا. ولأن تحقيق النصر الحاسم هو من باب المستحيل، فلا يهم أيضاً ما إذا كانت العمليات الحربية تسير على ما يرام أم لا، فالمهم هو أن تظل حالة الحرب قائمة وحسب. إن عملية إجهاد العقل التي يطالب الحزب أعضاءه بها والتي يمكن أن تتحقق بسهولة في أجواء الحرب قد أصبحت الآن سمة عالمية، وكلما ارتفع المرء مرتبة في الحزب غدت هده الصفة أكثر وضوحًا. ومما لا شك فيه أن هستيريا الحرب وكراهية العدو ومقته هي أمور تغدو أكثر قوة لدى أعضاء الحزب الداخلي منها لدى الآخرين، وبصفته يضطلع بمسؤوليات إدارية فإنه يتعين على عضو الحزب الداخلي أن يكون على بينة دائماً مما إذا كان هدا النبأ أو ذاك من أنباء الحرب كاذبًا أم حقيقياً، كما أنه غالباً ما يدرك ما إذا كانت الحرب برمتها زائفة أو أنها غير قائمة أصلًا أو أنها تشن لغايات تختلف جذرياً عن الأهداف المعلنة: ولكن هده المعرفة تغدو عديمة الأثر بتطبيق منهج التفكير المزدوج. وفي الوقت نفسه لا يمكن لعضو الحزب الداخلي أن يتزعزع إيمانه الغامض ولو للحظة بان الحرب حقيقية وأنها ستنتهي حتمًا بانتصار أوقيانيا التي ستغدو سيدة العالم أجمع وبلا منازع.
إن أعضاء الحزب الداخلي جميعهم يؤمنون بهذا الفتح المنتظر إيماناً راسخاً لا يتزعزع، ويعتقدون بأن تلك الغاية ستتحقق إما تدريجًا باحتلال المزيد من الأقطار، وما ينتج عنه من تراكم القوة وزيادة النفوذ، أو باكتشاف سلاح جديد لا رادع له. ولذلك يتواصل السباق نحو حيازة أسلحة جديدة دون هوادة، وهو ما يعتبر واحداً من النشاطات القليلة التي يمكن أن يجد فيها صاحب العقل المبدع متنفساً لطاقته. وفي الوقت الراهن لم يعد للعلم بمعناه القديم وجود في أوقيانيا، فمثلًا لا تتضمن اللغة الجديدة كلمة «العلم»، ناهيك عن أن منهج التفكير التجريبي الذي ارتكزت عليه كل المنجزات العلمية في الماضي يتعارض مع أهم مبادى الاشتراكية الإنجليزية. بل حتى أن التقدم التقني لا يحدث إلا حينما يمكن توظيف منجزاته بطريقة أو أخرى لتقليص مساحة الحرية الإنسانية. أما فيما يخص المجالات الأخرى المفيدة، فالعالم إما أنه لا يزال يراوح مكانه وإما أنه يتراجع، فما زالت الحقول تُحرث بمحاريث تجرها الماشية والكتب تؤلّف بواسطة الالة. أما في المجالات الحيوية ذات الأهمية مثل شؤون الحرب وشرطة التجسس، فإن المنهج التجريبي ما زال يلقى تشجيعًا أو على الأقل ما زال مقبولًا. وهنالك هدفان يضعهما الحزب نصب عينيه هما الهيمنة على العالم كله بغزوه، والقضاء قضاء مبرماً على كل إمكانية للتفكير المستقل، ولذلك هنالك مسألتان هامتان يوجه الحزب جل اهتمامه لحلهما: الأولى هي كيف يمكنه اكتشاف ما يدور من أفكار في ذهن الفرد رغماً عنه، والثانية كيف يمكنه إبادة مئات الملايين من الناس في غضون ثوان ودون سابق إنذار. وفي هاتين المسألتين ينحصر نطاق البحث العلمي ولا يتعداهما. وفي هذه الأيام نجد العالِم إما أن يكون مزيجًا من الباحث المحقق وعالم النفس الذي يدرس بدقة لامتناهية معنى تعابير الوجه والإيماءات ونبرات الصوت كما يفحص آثار العقاقير التي تستل الحقيقة من أفواه المجرمين والعلاج بالصدمة والتنويم المغناطيسي والتعذيب الجسدي، أو أنه كيميائي أو فيزيائي أو بيولوجي يعنى فقط بفروع العلم ذات الصلة بإزهاق حياة الإنسان. ففي المختبرات الضخمة بوزارة السلام وفي محطات التجارب السرية في مجاهل أدغال الغابات البرازيلية وفي صحراء أستراليا، وفي الجزر المجهولة في منطقة القطب الجنوبي هنالك فِرَق من الخبراء يعملون دون كلل أو ملل. ففريق منهم يعنى فقط بوضع خطط تمويل حروب المستقبل وفريق آخر يعمل على تصميم قذائف صاروخية أكبر حجماً ومتفجرات أقوى ودروعاً لا يمكن للقنابل اختراقها، بينما الفريق الثالث يعمل على إنتاج غازات جديدة أشد فتكاً أو سموم قابلة للذوبان في ماء الأنهار ويمكن إنتاجها بكميات تكفي للقضاء على الحياة النباتية في كل القارات، أو سلالات من جراثيم لديها مناعة ضد كافة الأجسام المضادة، وفريق آخر يسعى إلى صنع مركبة تشق لها نفقا تحت الأرض مثلما تشق الغواصة لها طريقاً تحت الماء، أو طائرة لا تحتاج إلى قاعدة كسفينة شراعية. وفريق يستكشف إمكانيات أبعد مثل تجميع أشعة الشمس عبر عدسات ضخمة معلقة على بعد آلاف الكيلومترات في الفضاء، أو إحداث هزات أرضية اصطناعية، أو رفع درجات مد البحر بزيادة درجة حرارة مركز الأرض.
ولكن ما من مشروع من هذه المشاريع قد أصبح وشيك التحقق، كما أن أياً من القوى العظمى الثلاث لم تحرز تقدما ملحوظا على القوتين الأخريين في مضمار التسلح. إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن كلا من القوى الثلاث بحيازتها القنبلة الذرية قد أصبحت تمتلك سلاحاً أشد فتكاً من أي سلاح آخر يمكن اختراعه من خلال الأبحاث الجارية. وبالرغم من أن الحزب يدعي، كعادته، أن الفضل في صنع القنبلة الذرية يرجع إليه، فإن القنابل الذرية كانت قد سجلت أول ظهور لها في أربعينات القرن العشرين واستخدمت على نطاق واسع بعد عشر سنين من ذلك تقريباً. وفي ذلك الوقت ألقيت مئات القنابل على المدن الصناعية الواقعة في كل من الجزء الأوروبي من روسيا وأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. وكان القصد من وراء ذلك إقناع الفئات الحاكمة في جميع البلدان بأن إلقاء بضع قنابل أخرى يعني نهاية المجتمع المنظم ومن ثم زوال سلطانهم. ولذلك ورغم أنه لم تبرم أي اتفاقيات رسمية، أو حتى يُلمَّح إلى هذا الأمر، فقد أحجمت هذه القوى عن استخدام هذه القنابل. بيد أن هده القوى الثلاث تابعت إنتاجها للقنابل الذرية وتخزينها انتظاراً للحظة الحاسمة التي يؤمن الجميع بأنها آتية عاجلًا أو آجلًا. وفي الوقت نفسه ظلت فنون الحرب لمدة ما بين ثلاثين وأربعين سنة تراوح مكانها، فكل ما هنالك هو أنه أصبح يعول على الحوامات أكثر مما سبق، كما أن الطائرات القاذفة تم استبدالها بقذائف ذاتية التوجيه (ذكية)، كما حلت القلاع العائمة غير القابلة للغرق محل البوارج الحربية الضعيفة، وعدا ذلك لا يوجد تطور يذكر، فما زالت الدبابات والغواصات والزوارق والمدافع الرشاشة بل وحتى البندقية العادية والقنابل اليدوية قيد الاستخدام. لكن وعلى الرغم مما كانت تشهده الحروب القديمة من معارك طاحنة لا نهاية لها تزهق فيها أرواح مئات الألوف أو الملايين من الأشخاص خلال بضعة أسابيع وهو ما كانت تتناقله الصحف وتعرضه شاشات الرصد، فإن مثل هذه المعارك اليائسة لم تعد تتكرر إطلاقًا.
ولم يحدث أبداً أن أقدمت أي من الدول العظمى الثلاث على الدخول في مغامرة عسكرية قد تجلب عليها هزيمة ماحقة. وحينما تُشن أي عمليات حربية واسعة النطاق فإن ذلك لا يأتي إلا على شكل هجمات مباغتة تشن ضد الدولة الحليفة، فالاستراتيجية التي تتبعها القوى الثلاث أو تدعي أنها تتبعها، واحدة. إذ ترتكز الخطة على مزيج من القتال والمساومة لشن ضربات غادرة في الوقت المناسب من أجل السيطرة على مجموعة من القواعد الاستراتيجية التي تحيط بواحدة أو أخرى من الدولتين المتنافستين، ثم توقيع معاهدة صداقة مع تلك الدولة والالتزام بالسلام معها لسنوات عديدة تكفي لإزالة ما لديها من شك وريبة. وخلال هذه السنوات يتم تحميل الصواريخ بالرؤوس النووية وتوجيهها نحو جميع القواعد الاستراتيجية حتى إذا ما سنحت الفرصة المنتظرة يتم إطلاقها جميعاً في آن واحد بحيث تترك آثاراً تدميرية هائلة تجعل الرد الانتقامي أمراً مستحيلًا، وبُعيد ذلك يحين الوقت لعقد معاهدة صداقة مع الدولة الأخرى استعدادًا لشن هجوم مماثل عليها. ولسنا في حاجة للقول بأن هدا المخطط ما هو إلا حلم يقظة يتعذر تحقيقه على أرض الواقع، ناهيك عن أن القتال لم يكن يقع إلا في المناطق المتنازع عليها حول خط الاستواء والقطب: ولم تجرؤ أي من الدول الثلاث على غزو أراضي الدولتين الأخريين. وهذا ما يفسر لنا السبب في أن الحدود بين الدول العظمى تكون في بعض الأماكن عشوائية تعسفية، فأوراسيا على سبيل المثال تستطيع بسهولة غزو الجزر البريطانية التي تعتبر جغرافياً جزءًا من أوروبا، كما أن أوقيانيا تستطيع من ناحية أخرى زحزحة حدودها ناحية نهر الراين أو حتى الفستولا. بيد أن مثل هذا العمل سيعتبر انتهاكاً للمبدأ الذي تسير عليه جميع الأطراف، وإن كان مبدأً غير مكتوب، وهو مبدأ الوحدة الثقافية. وإذا فرضنا أن أوقيانيا قد استولت على تلك المناطق التي كانت تُعرف في وقت من الأوقات بفرنسا وألمانيا، لاستوجب ذلك منها إما أن تبيد سكان هذه المناطق، وهي مهمة تعترضها صعاب جمة، أو أن تستوعب هؤلاء السكان البالغ تعدادهم مائة مليون نسمة والذين يقفون في نفس مستوى التطور التقني تقريبًا، وهذه هي المشكلة التي تواجه الدول العظمى الثلاث. ومن الضروري للغاية بالنسبة لهذه الدول ألا يوجد أي اتصال ما بين سكانها وبين الأجانب، فيما عدا، وإلى حد معين، أسرى الحرب والعبيد الملونين، ولم تكن حتى الدولة الحليف الرسمي في اللحظة الراهنة، تنجو من نظرة الشك والريبة القاتمتين. وباستثناء أسرى الحرب فإن المواطن العادي من مواطني أوقيانيا لا يرى مطلقاً أياً من مواطني أوراسيا أو إيستاسيا، كما يحظر عليه تعلّم اللغات الأجنبية، فلو أنه سمح له بالاتصال بالأجانب لتبين له أنهم مخلوقات بشرية مثله وأن معظم ما قيل له عنهم لا يعدو كونه أكاذيب وافتراءات. وحينئذ ينكسر طوق العالم المغلق الذي يعيش فيه، ويتبدد جو الخوف والكراهية والتعصب للذات وهي ما ترتكز عليها روحه المعنوية، ولذلك اتفقت الأطراف الثلاثة على أنه مهما تناوبت القوى بلاداً مثل إيران أو مصر أو جاوة أو سيلان، فإن الحدود الرئيسية يجب ألا يخترقها شيء غير القنابل.
لكن وراء كل هذا تكمن حقيقة لم ليجهر بها أحد وإن كانت مفهومة ضمناً ويُعمل بموجبها: وهي أن ظروف الحياة في الدول العظمى الثلاث متشابهة إلى حد كبير، ففي أوقيانيا تسمى الفلسفة السائدة «الاشتراكية الإنجليزية»، وفي أوراسيا تسمى «البلشفية الجديدة»، وفي إيستاسيا تسمى باسم صيني يترجم عادة بمعنى «عبادة الموت»، وربما كان من الأفضل ترجمته بعبارة «محو الذات»، ومن غير المسموح به لمواطني أوقيانيا أن يعرفوا أي شيء عن عقائد الفلسفتين الأخريين، غير أنهم يلقنون أن هاتين الفلسفتين ليستا إلا عدواناً وحشيًا على الأخلاق والذوق العام. والواقع أن هذه الفلسفات الثلاث تتمايز نظرياً فقط أما النظم الاجتماعية القائمة عليها فهي متماثلة لا يمكن التمييز بينها على الإطلاق، ففي كل منها يوجد البناء الهرمي ذاته وعبادة الزعيم الملهم والاقتصاد الذي يقوم على الحرب ومن أجل الحرب. ومن ثم يتبين أن الدول العظمى الثلاث لا تستطيع أن تقهر بعضها بعضاً فحسب، وإنما إن فعلت ذلك فلن تجني أي نتيجة أو ربح. بل بالعكس فما دامت هذه الدول في حالة صراع، فإن بعضها يشد إزر بعض مثل ثلاث حزم من القمح، وكما هي العادة فإن الفئات الحاكمة في كل من القوى الثلاث تدرك ولا تدرك في الوقت نفسه، حقيقة ما تفعله، فحياتهم مكرسة للاستيلاء على العالم، لكن هؤلاء يعلمون أيضاً أن من الضروري أن يظل أوار الحرب مشتعلا إلى أجل غير مسمى دون أن تضع أوزارها ودون أن تحرز إحدى الدول نصراً على دولة أخرى. وفي الوقت ذاته وبما أنه ليس ثمة خطر من استيلاء دولة على أخرى، فإنه يمكن إنكار وجود أية حقيقة وهو عين ما ترتكز عليه النظم الفكرية للاشتراكية الإنجليزية وغريمتيها الأخريين. وهنا يتعين علينا أن نكرر ما قلناه آنفاً من أن الحرب بعدما أصبحت مستمرة، فقد طرأت عليها تغيرات جوهرية.
ففي العصور الماضية كانت الحرب حدثاً لا بد أن ينتهي إن عاجلًا أو آجلًا وبنصر حاسم أو بهزيمة واندحار، وكانت الحرب إحدى القنوات الرئيسية التي تظل المجتمعات الإنسانية من خلالها على صلة بالواقع الخارجي. وفي جميع العصور كان الحكام يسعون إلى فرض روية زائفة عن العالم على رعاياهم، إلا أنهم لم يشجعوا أية أوهام يمكن أن تضعف الكفاءة العسكرية. وما دامت الهزيمة تعني فقدان الاستقلال أو تفضي إلى نتيجة غير مرغوب فيها، فيجب الاحتراز احترازاً جدياً من الوقوع في شراك الهزيمة. ومن الثابت أن الحقائق المادية لا يمكن تجاهلها، ففي الفلسفة أو الدين أو علم الأخلاق أو علم السياسة يمكن أن يكون حاصل اثنين واثنين هو خمسة ولكن حينما يتعلق الأمر بتصميم مدفع أو طائرة فلا بد أن يكنون حاصل اثنين واثنين أربعة. ولقد كانت الأمم التي تفتقر إلى الكفاءة دائماً تلحق بها الهزيمة إن عاجلًا أو آجلًا وكان النضال لبلوغ هذه الكفاءة غاية تتعارض مع وجود الأوهام. وفضلًا عن ذلك، فلكي تبلغ هده الكفاءة من الضروري أن تكون قادراً على الاستفادة من الماضي والتعلم منه، وهذا يعني أن تكون لديك فكرة دقيقة عما حدث في الماضي. صحيح أن الصحف وكتب التاريخ عرضة للتحريف وتفتقد المصداقية عبر التاريخ، إلا أن التزوير الذي يمارس اليوم كان يستحيل وقوعه في الماضي. فقد غدت الحرب ضمانًا أكيدًا للسلامة، وهي بالنسبة للفئات الحاكمة أهم الضمانات على الإطلاق. ولأن الحرب عرضة للخسارة والمكسب، فلا يمكن أن تظل فئة حاكمة في حِلّ من أي مسؤولية.
أما عندما تصبح الحرب سجالًا مستمرًا، فإن خطورتها تنعدم، فاستمرار الحرب يقضي على ما يسمى بالضرورة الحربية. ويمكن أن تتوقف عجلة التقدم التقني كما يمكن نكران أكثر الحقائق وضوحًا و تجاهلها. وكما رأينا فإن الأبحاث التي يمكن نعتها بأنها علمية ما زالت تجرى خدمة لأغراض الحرب وهي نوع من أحلام اليقظة، والإخفاق في تحقيق نتائجها ليس أمرًا ذا أهمية. بل وحتى ما يسمى بالكفاءة العسكرية لم تعد الحاجة ماسة إليها، ففي أوقيانيا لا يتصف بالكفاءة والفاعلية غير شرطة الفكر. ولما كان اندحار أي من الدول العظمى الثلاث أمرًا عزيز المنال، فقد غدت كل دولة في واقع الأمر بمثابة عالم قائم بذاته يمكن أن ينمو فيه الفكر المشوه والفاسد في أمان. وأما الواقع فإنه يمارس ضغوطاته من خلال متطلبات الحياة اليومية كالحاجة إلى المأكل والمشرب والمأوى والملبس، والحاجة إلى حفظ الحياة عن طريق اجتناب ابتلاع السم أو القفز من النوافذ العالية وما سابه ذلك من حاجات. وبين الحياة والموت، وبين اللذة والألم، ما زالت هنالك فروقات، لكن هذه الفروقات هي كل شيء. إن حالة الانعزال عن العالم والقطيعة مع الماضي التي يعيشها المواطن في أوقيانيا تجعله أشبه برجل معلق في الفضاء بين النجوم وقد سُلب القدرة على تمييز الاتجاهات. أما الحكام في مثل هذه الدول فإنهم يتمتعون بسلطات مطلقة لم يبلغها أكثر الفراعنة أو القياصرة استبدادًا. وهم وإن كانوا يسعون مضطرين إلى الحيلولة دون موت رعاياهم بأعداد كبيرة تندر بالخطر، كما أنهم مضطرين إلى البقاء على المستوى نفسه من التقنية العسكرية لمنافسيهم، فإنهم ما إن يبلغوا الحد الأدنى من أهدافهم حتى يشرعوا في لَيّ عنق الحقيقة وصوغها في القالب الذي يشاؤونه.
لذلك فإن الحرب، إذا ما قيست بمعايير الحروب القديمة، هي مجرد خداع ودجل، بل هي أشبه بالمعارك التي تنشب بين حيوانين من الحيوانات المجترة تأخذ قرونهما أثناء نطاحهما زاوية تجعل واحدهما عاجزاً عن إلحاق الأذى بالآخر. لكن بالرغم من هذا الزيف فإنها ليست خلواً من المغزى، فهي تلتهم الفائض من السلع الاستهلاكية كما تسهم في الحفاظ على المناخ الفكري الخاص الذي يحتاج إليه المجتمع الطبقي. وكما سيتضع فيما بعد فإن الحرب قد أصبحت شعاناً داخلياً محضًا، ففي الماضي كانت الفئات الحاكمة في جميع الأقطار، ورغم إدراكهم لمصالحهم المشتركة ومن ثم سعيهم إلى تحجيم مدى الخراب الذي تسببه الحروب، يقاتل بعضهم بعضًا وكان الغالب دائماً ينهب المغلوب، أما في وقتنا الراهن فلم يعد الاقتتال ينشب بينهم مطلقاً، وإنما أصبحت كل فئة حاكمة تشن الحرب على رعاياها ولم يعد هدف الحرب هو الاستيلاء على الأراضي أو الحيلولة دون ذلك، وإنما الحفاظ صلى بنية المجتمع سليمة على ما هي عليه. ومن ثم فإن كلمة «الحرب» ذاتها باتت مضللة ولا تؤدي المعنى، وإذا شئنا الدقة يمكننا القول بأن الحرب لم تعد حرباً بعدما صارت إليه من ديمومة واستمرار. أما ذلك التأثير الذي ظلت تمارسه على البشرية فيما بين العصر الحجري وأوائل القرن العشرين فقد تلاشى ليحل محله شيء مختلف تماماً، ولو أن الدول العظمى الثلاث كانت قد تواضعت، بدلًا من التناحر فيما بينها، على العيش في ظل سلام دائم وحدود آمنة لا تتعرض لخروقات من هذه أو تلك لتحققت الغاية والمراد نفسيهما من حرب هذه الأيام، ففي هذه الحالة، كان كل طرف من الأطراف المتحاربة سيغدو عالماً مكتفيًا بذاته ومتحررًا إلى الأبد من التأثير القوي للأخطار الخارجية، ولكان للسلام الحقيقي الدائم الأثر نفسه الذي تنتجه الحرب الدائمة. وهذا هو المعنى الحقيقي لشعار الحزب. الحرب هي السلام، بالرغم من أن الأغلبية الساحقة من أعضاء الحزب لا يفهمونه إلا فهماً سطحيًا.

وقد توقف ونستون عن القراءة حينما تناهى إلى سمعه دوي قذيفة صاروخية أشبه بالرعد وقد سقطت في مكان بعيد. بيد أن شعور ونستون البهيج بأن الكتاب المحظور بين يديه يؤنس وحدته وفي غرفة لا يوجد فيها شاشة رصد، ظل كما هو ولم يتأثر بذلك. حيث امتزج لديه الإحساس بالعزلة والأمان، وهي إحساسات جسدية، مع التعب الذي أصاب جسمه النحيل ونعومة الكرسي الذي يجلس عليه والنسيم الخفيف القادم من النافذة الذي كان يداعب وجنتيه. وأما الكتاب نفسه فقد خلب لبه، أو بعبارة أدق أعاد إليه الطمأنينة المفقودة. وبالرغم من أن الكتاب لم يأت بجديد وهو ما يعتبر جزءاً من جاذبيته، فقد قال الكتاب ما كان ونستون سيقوله لو تسنى له أن ينظِم شتات أفكاره معاً، إنه نتاج لعقل شبيه بعقله وإن كان يفوق عقله قوة وتنظيماً ولا يسيطر عليه الخوف. وكان ونستون يتصور أن أفضل الكتب هي تلك التي تقول لك ما تعرفه بالفعل. ولم يكد ونستون يعود إلى الفصل الأول حتى تناهى إلى سمعه وقع خطى جوليا على درجات السلم فهبّ من مقعده واقفاً لاستقبالها. وما إن دلفت إلى الغرفة حتى ألقت بحقيبتها البنّية فوق الأرض وألقت بنفسها بين ذراعيه، إذ كان قد انقضى على آخر لقاء ضمّهما أسبوع أو أكثر.
وقال ونستون بعدما انفكّا من العناق: «لقد حصلت على الكتاب». فقالت دون أن تبدي كثير اهتمام: «آه هل حصلت عليه فعلاً؟» ثم جثت على ركبتيها بجانب الموقد لتعدّ القهوة.
ولم يعودا لموضوع الكتاب إلا بعد أن أمضيا نصف ساعة في الفراش معاً. كان المساء بارداً مما دفعهما لسحب الغطاء عليهما وكانت تُسمع أصوات غناء مألوفة وأصوات احتكاك الأحذية بحجارة الرصيف فيما كانت المرأة ذات الذراعين المفتولين والتي رآها ونستون هناك في أول زيارة له للغرفة واقفة متسمرة في الباحة. إذ لا تمر ساعة دون أن يراها المرء تغدو وتجيء بين حوض الغسيل وحبل الغسيل، وتعض أحياناً على مشاجب الغسيل حتى إذا انتهت منها انخرطت في أغنيتها المفعمة بالحيوية. وتمددت جوليا على جنبها وبدت على وشك الاستغراق في النوم، أما ونستون فقد مد يده لالتقاط الكتاب الملقى فوق ارض الغرفة ثم جلس متكئاً إلى رأس السرير.
وقال: «يجب أن نقرأه، وأنت أيضاً، بل يجب أن يقرأه جميع أعضاء «الأخوة».
فقالت وهي مغمضة عينيها: «اقرأه أنت، اقرأه بصوت عال، فهذه أفضل طريقة، ثم اشرح لي ما تقرأه».
كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة مساء، وهكذا كان لا يزال لديهما ثلاث أو أربع ساعات، ولذا فقد وضع الكتاب فوق ركبتيه وراح يقرأ:
الفصل الأول
الجهل هو القوة
عبر التاريخ المعروف للإنسان، وربما مند نهاية العصر الحجري، كان هنالك ثلاث فئات من البشر أو ثلاث طبقات في العالم: الطبقة العليا والوسطى والدنيا، وقد قسمت هذه الطبقات فيما بينها طبقات أخرى فرعية، وحملت أسماء مختلفة لا حصر لها ولا عد، أما النسب التي تمثلها وكذا مواقفها إزاء بعضها بعضاً فقد تباينت من عصر لآخر، غير أن التركيبة الأساسية للمجتمع ظلت كما هي لم تتغير أبداً. بل حتى بعد اندلاع الثورات العارمة وما أحدثته من تفسيرات لا رجعة عنها، فإن ذلك النموذج يعود فيؤكد نفسه تماماً مثلما تفعل مروحة السفينة التي تعاود توازنها سواء أدرتها في هذا الاتجاه أو ذاك.
التفت ونستون وهو يقول: «هل أنت مستيقظة يا جوليا؟»
فأجابت جوليا: «نعم يا حبيبي، إني مصغية لما تقول. استمر، إنه رائع».
فعاد إلى القراءة:
وأما أهداف هذه الطبقات فكانت متضاربة ولا يمكن التوفيق بينها على الإطلاق، فهدف الطبقة العليا هو البقاء حيث هي، وهدف الطبقة الوسطى هو الحلول محل الطبقة العليا، أما هدف الطبقة الدنيا، إن كان لها هدف، ذلك أن من الخصائص الثابتة لدى هذه الطبقة هي أنها تعيش مسحوقة تحت وطأة مطالب الحياة اليومية فلا تعي شيئاً خارجها، هو إزالة كل الفوارق الطبقية وإنشاء مجتمع يكون فيه جميع الناس سواسية. وهكذا يتكرر عبر التاريخ ذلك النضال الذي يتشابه في خطوطه العريضة الرئيسية. ولآجال طويلة كانت الطبقة العليا تبدو ممسكة بزمام السلطة، ولكن إن عاجلا أو آجلا كان لا بد أن تأتي عليهم لحظة يفقدون فيها إما إيمانهم بأنفسهم وإما قدرتهم على الحكم بكفاءة أو الاثنين معاً. وحينئذ كان يطاح بهم من قبل الطبقة الوسطى التي تأخذ الطبقة الدنيا إلى صفها تحت دعاوى النضال من أجل تحقيق الحرية والعدل. ولكن ما إن تبلغ الطبقة الوسطى هدفها وهو السلطة، فإنها تزج بالطبقة الدنيا إلى وضعها القديم حيث الاسترقاق، وتصبح هي الطبقة العليا. وتتكون طبقة وسطى جديدة من إحدى الطبقتين الأخريين أو كليهما معاً ليبدأ الصراع من جديد. ومن بين الطبقات الثلاث فإن الطبقة الدنيا هي الوحيدة التي لا تفلح أبداً ولو مؤقتًا في بلوغ أهدافها، ولعله من فبيل المبالغة أن نقول انه عبر التاريخ لم يحدث لها أي تقدم مادي يذكر. وحتى في أيامنا هذه، في فترة الانحطاط فإن الإنسان العادي يعتبر من الناحية المادية أحسن حالًا مما كلان عليه قبل بضعة قرون مضت. غير أنه لا ازدياد الثروة ولا رقي السلوكيات ولا حركة الإصلاح أو الثورة حملت حلم المساواة بين بني الإنسان إلى الأمام ولو قيد أنملة، ومن وجهة نظر الطبقة الدنيا فإن أي تغيير تاريخي لا يعدو أن يكون مجرد تغيير في أسماء سادتها.
وفي أواخر القرن التاسع عشر بات تكرار هذا النهج جلياً لكثير من المراقبين، حتى أنه ظهرت مدارس فكرية تفسر التاريخ كمسارات دائرية، وحاولت الترويج لفكرة أن انعدام المساواة هو قانون من قوانين الحياة البشرية الذي لا يقبل التغير. وبالطبع كان لهذا المذهب دائماً أنصاره عبر التاريخ، وإن كان ثمة تغيير ملموس قد طرأ على الطريقة التي يقدم بها للناس في هذه الأيام، ففي الماضي كانت الحاجة إلى مجتمع طبقي معتقداً محصورًا في الطبقة العليا حيث كان يروّج لها الملوك والنبلاء والكهنة والمحامون ومن شاكلهم ممن يعيشون عالة عليهم، وكانوا، للتخفيف من وطأة هدا المعتقد، يطلقون وعوداً بالتعويض عن مآسي الحياة الدنيا في عالم خيالي يأتي بعد الموت. أما الطبقة الوسطى فكانت، إبان نضالها لبلوغ سدة الحكم، دائماً ترفع شعارات مثل الحرية والعدل والإخاء طالما أنها لم تنته من نضالها في سبيل بلوغ السلطة. وأما الأن فإن مفهوم الأخوة الإنسانية يتعرض لهجمات من قبل أناس لم يبلغوا بعد سدة الحكم ولكنهم يأملون بلوغه في عهد قريب. وفي الماضي كانت الطبقة الوسطى تشعل الثورات تحت ستار المساواة، لكنها لم تلبث بعد بلوغ ماً ربها أن دشنت لطغيان جديد تقيمه على أنقاض الطغيان القديم الذي أطاحت به، ولذلك كانت المجموعات الجديدة التي ستحل محل الطبقة الوسطى تعلن سلفاً عن طغيانها. وأما الاشتراكية وهي نظرية ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر، والتي كانت بمثابة الحلقة الأخيرة من سلسلة فكرية تعود بتاريخها إلى ثورات العبيد في العصور القديمة، فقد كانت لا تزال مخدوعة إلى حد بعيد بطوباوية العصور الغابرة. ولكن في كل شكل من أشكال الاشتراكية التي بدأت تظهر للوجود منذ 1900 وحتى وقتنا الراهن كان يتم التنكر صراحة لهدف إرساء دعائم مجتمع الحرية والمساواة أكثر فأكثر. وأما الحركات الجديدة التي ظهرت في منتصف القرن، كالانجسوك في أوقيانيا، والبلشفية الجديدة في أوراسيا، وعبادة الموت كما كانت تسمى في إيستاسيا، فكانت تستهدف ترسيخ حالة اللاحرية واللامساواة. وهذه الحركات الجديدة خرجت من عباءة حركات قديمة واحتفظت بأسمائها وادعت زيفاً اعتناقها لأيديولوجيتها. وقد اجتمعت هذه الحركات على غاية واحدة وهي وقف كل تقدم وتجميد التاريخ عند لحظة تختارها، وهكذا أرادوا لبندول الساعة أن يهتز اهتزازته المألوفة مرة أخرى ليتوقف بعدها للأبد. وكالعادة كان على الطبقة الوسطى أن تزيح الطبقة العليا وتحل محلها ولكن هذه المرة باستراتيجية واعية بحيث تتمكن الطبقة العليا الجديدة من الاحتفاظ بمركزها بصفة دائمة.
ويرجع ظهور هذه المذاهب الجديدة إلى تراكم المعرفة التاريخية ونمو الحس التاريخي وهما أمران لم يكن لهما وجود تقريباً قبل القرن التاسع عشر، وهو ما جعل الحركة الدائرية للتاريخ مفهومة في الوقت الحاضر، أو بدا أنها كذلك، وبما أنها قد باتت مفهومة فهذا يعني أنه بات بالإمكان تغييرها. ولكن السبب الرئيس الكامن وراء ظهور هذه المذاهب هو أنه منذ أوائل القرن العشرين غدت المساواة بين الناس أمراً ممكناً من الناحية العملية. صحيح أن الناس لم يكونوا متساوين في مواهبهم الطبيعية وصحيح أن المهام يجب توزيعها بطريقة يحابى فيها بعض الأفراد على حساب البعض، لكنه لم تعد ثمة حاجة فعلية إلى وجود الفروق الطبقية أو التفاوتات الكبيرة من ناحية الثروة. وفي العصور الأولى لم تكن الفوارق الطبقية أمراً محتومًا فحسب، بل مرغوباً فيه أيضاً، ذلك أن عدم المساواة كان هو ما تكبده الناس ثمنا للمدنية. ولكن مع تطور الإنتاج الآلي تبدلت الحال، إذ حتى لو أنه ما زال من الضروري للبشر أن يؤدوا أنواعاً متباينة من الأعمال، فإنه لم يعد من الضروري لهم أن يعيشوا عند مستويات اجتماعية واقتصادية متباينة، ومن ثم فإنه ومن وجهة نظر الطبقات الجديدة التي كانت قاب قويين أو أدنى من القبض على زمام السلطة، فإن المساواة بين البشر لم تعد غاية سامية تستحق النضال من أجلها، وإنما خطراً يجب تفاديه. وفي العصور الأكثر بدائية حينما كانت إقامة مجتمع العدل والسلام أمرا غير ممكن، كان من اليسير على المرء أن يصدق مثل هذه الأفكار. إن فكرة الفردوس الأرضي الذي يعيش فيه كل الناس معاً كإخوة دون اللجوء إلى قوانين أو دون حاجة إلى التعب والمشقة، كانت تشغل الخيال البشري منذ آلاف السنين، وكان لهذه الرؤية الخيالية سلطان حتى على تلك الفئات التي كانت تفيد فعلًا من كل تغير تاريخي. ومن هذا أن أبناء الثورات الفرنسية والإنجليزية والأمريكية كانوا يؤمنون إلى حد ما بما صاغوه من شعارات عن حقوق الأنسان وحرية التعبير والمساواة أمام القانون وما شابه ذلك، بل وكانت ذات تأثير على سلوكهم، ولكن لم يكد العقد الرابع من القرن العشرين يحل حتى كانت كل التيارات الرئيسية للفكر السياسي قد أضحت سلطوية المنحى أو فاشية، كما أصبع الفردوس الأرضي عرضة لحملات التشويه بمجرد أن أصبح من الممكن تحقيقه. وباتت كل نظرية سياسية جديدة، أيًا كان الاسم الذي يطلق عليها، ترتد بالناس نحو التمييز والتصنيف إلى مراتب ودرجات. وفي ظل أجواء التشدد العام التي سيطرت على وجهات النظر في ثلاثينيات القرن العشرين، عادت الممارسات التي هُجرت مند مئات السنين مثل السجن بغير محاكمة، واسترقاق أسرى الحرب، وتنفيذ أحكام الإعدام علناً، والتعذيب لانتزاع الاعترافات، واستخدام الرهائن، والتهجير القسري لشعوب بكاملها. ولم تغدُ كل هذه الممارسات شائعة الحدوث مرة أخرى فحسب، بل أصبحت أموراً جائزة يدافع عنها من يدعون انهم تنويريين وتقدميين.
ولم تظهر الانجسوك وما ينافسها من نظم أيديولوجية كنظريات سياسية مكتملة النضج إلا بعد عقد من الزمان سادته حروب خارجية وحروب أهلية، وثورات وثورات مضادة في جميع أرجاء العالم. ولكن هذه المذاهب سبقتها أنظمة متنوعة يطلق عليها في مجملها اسم الأنظمة الكليانية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين، وكانت الخطوط العريضة للعالم الذي سينبثق من الفوضى السائدة واضحة وجلية منذ وقت طويل. وبالوضوح نفسه كان معروفًا أي نوع من الناس سيحكمون قبضتهم على العالم. ولم يعد خافياً أن الأرستقراطية الجديدة تتألف في أغلبها من بيروقراطيين وعلماء وفنيين وقادة نقابات عمالية وخبراء دعاية وعلماء اجتماع ومعلمين وصحافيين وسياسيين محترفين، وهؤلاء الناس الذين يعودون بأصولهم إلى الطبقة الوسطى التي يعتمد أفرادها على الرواتب، وكذلك إلى الفئة العليا من الطبقة العاملة، قد صهرهم معاً ووحّدهم عالم الصناعة والحكومة المركزية، وهؤلاء إذا ما قورنوا بنظرائهم في العصور الغابرة لوجدناهم أقل جشعاً وأقل ميلًا للترف، وأكثر تعطشاً لبلوغ السلطة المطلقة، ولكن فوق كل ذلك أكثر إدراكًا لما يقومون به وأشد تصميما على سحق معارضيهم وهذا الفرق الأخير كان أساسياً. ذلك أنه بالمقارنة مع ما يوجد اليوم، فإن أنظمة الطغيان في الماضي كانت أقل كفاءة في استبدادها وتفتقر إلى التصميم على الفتك بالخصوم، كما أن الفئات الحاكمة كانت دائما واقعة تحت تأثير أفكار ليبرالية وتترك عن طيب خاطر هوامش للحرية في كل مكان، ولا تهتم إلا بالعمل الظاهر غير مبالية بما يدور في خواطر رعاياها. بل حتى الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى تعتبر متسامحة إذا ما قورنت بمعايير هذه الأيام، ومن بين أسباب ذلك أنه لم يكن تتوفر لأية حكومة في الماضي سلطة تمكنها من إبقاء مواطنيها تحت مراقبة دائمة. ولكن مع اختراع الطباعة أصبح من الأيسر التلاعب بالرأي العام، كما أن ظهور السينما والراديو قد دفعا بهذه العملية قدماً، ومع اختراع التلفزيون وحصول ذلك التقدم التقني الذي جعل من الممكن الإرسال والاستقبال في آن واحد وعلى جهاز واحد فإن ذلك كان إيذانا بنهاية ما يسمى بالحياة الخاصة، حيث بات بإمكان كل حكومة أن تضع كل مواطن، اً وعلى الأقل كل مواطن له من الأهمية ما يجعله جديرًا بالملاحظة، تحت عين الشرطة لمدة أربع وعشرين ساعة في اليوم وتحت طائلة الدعاية الرسمية الموجهة مع عزله عن جميع قنوات الاتصال الأخرى. وللمرّة الأولى في التاريخ يصبح بالإمكان فرض حالة من الإذعان المطلق لإرادة الدولة ومن الاتساق التام في الرأي حول جميع الموضوعات.
وعقب المد الثوري الذي شهدته الخمسينات والستينات من القرن العشرين، أعاد المجتمع تشكيل نفسه كما هي العادة في طبقات ثلاث هي العلياً والوسطى والدنيا. لكن الطبقة العليا الجديدة وخلافاً لكل نظيراتها السابقات لم تعد تعمل بوحي من الغريزة بعدما عرفت ماذا يتعين عليها القيام به لحماية مركزها، كما أنها أدركت أن الركيزة الوحيدة الآمنة لحكم الأقلية هي فكرة الجماعية، فمثلًا يسهل الدفاع عن كل من الثروة والامتيازات حينما تكون ملكيتهما مشاعاً، وما سمي بإلغاء الملكية الخاصة الذي حدث في منتصف القرن العشرين لم يكن يعني في واقع الأمر إلا تركيز الملكية وتجميعها في أيدي عدد أقل من ذي قبل، ولكن مع وجود فارق واحد بسيط ألا وهو أن المالكين الجدد قد أصبحوا مجموعة موحدة لا أفرادا متفرقين، فعلى الصعيد الفردي لا يمتلك أي من أعضاء الحزب شيئاً، ما عدا بعض الممتلكات الشخصية التافهة. أما على الصعيد الجماعي فإن الحزب يملك كل شيء في أوقيانيا لأنه يهيمن على كل شيء ويتصرف في الإنتاج حسبما يراه مناسباً لمصلحته. وقد تمكن الحزب في السنوات التي تلت الثورة من القفز إلى هذا المركز القيادي، وأصبح بلا منازع تقريباً، وذلك لأن العملية برمتها قد قدمت باعتبارها عمل جماعي. لقد كان يفترض دائماً أنه إذا انتزعت أملاك الرأسماليين فإن الاشتراكية ستعقب ذلك: وقد حدث فعلًا أن جُرِّد الرأسماليون من ممتلكاتهم، فانتُزِعت منهم المصانع والمناجم والأراضي الزراعية والعقارات ووسائل النقل، ولأن هذه الأشياء لم تعد ممتلكات فردية، فقد كان من الواجب أن تصبع ممتلكات عامة. أما الانجسوك والتي خرجت من عباءة الحركة الاشتراكية القديمة وورثت عنها خطابها الأيديولوجي، فإنها نفذت في الواقع جوهر البرنامج الاشتراكي وهو ما أدى إلى ما خطط له الحزب مسبقًا ألا وهو أن انعدام المساواة أصبح واقعاً مكرسًا.
لكن مشكلة تكريس المجتمع الطبقي تظل أعمق وأشد تعقيدا، إذ ليس هنالك غير أربع طرق لإزاحة فئة حاكمة عن سدة الحكم، فإما أن يتم قهرها من قبل عدو خارجي، أو أن تحكم بطريقة تعوزها الكفاءة وهو ما يدفع الجماهير للثورة، أو تسمح لمجموعة من الطبقة الوسطى القوية والساخطة بالتشكل والظهور، أو تتزعزع ثقتها بذاتها وتفقد الإرادة في الحكم. ولا تعمل هده الأسباب منفصلة بعضها عن بعض، فغالباً ما تجتمع معاً بدرجة أو أخرى. ومن ثم فإن الطبقة الحاكمة التي تستطيع حماية نفسها من هذه الأسباب جميعها فإنها تضمن التربع على سدة الحكم مدى الحياة. ولذلك يظل العامل الحاسم في نهاية المطاف هو الحالة الفكرية والعقلية وكيفية تصرّف الطبقة الحاكمة ذاتها.
وبعد منتصف القرن العشرين زال الخطر وبات يتعذر قهر أي من القوى الثلاث التي تتقاسم العالم الآن والتي لم يعد بالإمكان قهرها إلا عبر ما يسمى بالتغيرات الديموغرافية والتي بوسع أي حكومة تتمتع بسلطات واسعة أن تتلافاها بسهولة. أما الخطر الثاني فهو نظري فقط، فالجماهير لا تثور من تلقاء ذاتها مطلقاً، كما أنها لا تثور لمجرد تعرضها للاضطهاد، وما لم تتع لها إمكانية المقارنة بين أوضاعها الراهنة وبين أوضاع أخرى، فإنها لن تدرك أبداً حقيقة كونها مضطهدة. إن الأزمات الاقتصادية التي كانت تتكرر في العصور القديمة لم يكن لها ما يبررها على الإطلاق، أما في أيامنا هذه فلا يسمح لها بالحدوث أصلًا، بيد أن هنالك أشكال خلل أخرى لا تقل عن ذلك خطراً وإن كانت لا تصحبها نتائج سياسية وذلك لأنه لا سبيل أماًم الناس للتعبير عن استيائهم. أما فيما يخص مشكلة فائض الإنتاج التي ظهرت في مجتمعنا منذ اختراع الآلة فقد أمكن علاجها من خلال الحروب الدائمة (انظر الفصل الثالث)، والتي تفيد أيضاً في الإبقاء على الروح المعنوية العامة عند الحد المطلوب. وهكذا فإن الخطر الحقيقي والوحيد من وجهة نظر حكامنا الحاليين يكمن في إمكانية انشطار فئة جديدة من أناس لديهم الكفاءة اللازمة وطاقة فائضة ومتعطشين إلى السلطة وانتشار روح ليبرالية تحررية ونمو نوازع شكوكية بين صفوفهم، ومن هنا يتبين أن الإشكالية إشكالية تثقيفية الطابع. إنها مشكلة صياغة وعي كل من الفئة المسيطرة والفئة الأخرى الأكبر التي تليها مباشرة في الأهمية والتي تتولى تنفيذ ما تعهد إليه بها الفئة المسيطرة. أما وعي الجماهير فيجب التأثير عليه بشكل سلبي.
ومما تقدم يستطيع المرء أن يستكنه، إن لم يكن يعرف بالفعل، التركيبة العامة لمجتمع أوقيانيا، فعلى قمة الهرم يأتي الأخ الكبير وهو معصوم عن الخطأ ويتمتع بقدرة مطلقة، وكل نجاح وكل إنجاز وكل انتصار وكل اكتشاف علمي ينسب إليه، كما أن كل معرفة وكل حكمة وكل سعادة وفضيلة إنما يعزى الفضل فيها مباسرة إلى قيادته الرشيدة الملهمة. ولم يحدث أن رأى أحد الأخ الكبير، فهو وجه مطبوع على لوحة أو صوت يصدر عن شاشة الرصد، ويمكننا أن نكون على درجة قوية من اليقين بأنه لن يموت كما أن هنالك حالة من الشك تحوم بالفعل حول تاريخ مولده، إنه الشكل الذي اختار الحزب أن يظهر به أمام أعين العالم. وأما دوره فهو أن يكون جماع الحب والخوف والتبجيل، وهي مشاعر يسهل على الفرد أن يحسها نحو فرد آخر لا نحو منظمة ما. وبعد الأخ الكبير يأتي الحزب الداخلي الذي لا يزيد عدد أعضائه على ستة ملايين أو أقل من 2% من سكان أوقيانيا. ثم بعد ذلك يأتي الحزب الخارجي والذي إذا جاز لفا وصف الحزب الداخلي بأنه العقل المفكر للدولة، فإن الحزب الخارجي هو الأيدي العاملة فيها. وفي أسفل الهرم تأتي الجماهير الصماء التي ألفنا أن نسميها «البروليتاريا» والتي تمثل ما نسبته 85% من مجموع سكان أوقيانيا. وحسب تصنيفاتنا السابقة، فإن العامة هم الطبقة الدنيا لأن سكان المناطق الاستوائية المستعبدين، الذين تتداولهم أيدي الغزاة، لا يمثلون مكوناً أساسيًا وضرورياً في تركيبة المجتمع.
وبصفة عامة فإن عضوية هذه الطبقات الثلاث ليست وراثية، فالطفل الذي يولد لأبوين من أعضاء الحزب الداخلي لا يكتسب هذه العضوية تلقائياً، ذلك أن القبول في أي من أجنحة الحزب الثلاثة يتحدد عبر اختبار يُجرى للمرء وهو في السادسة عشرة، كما انه لا يسمح بحصول أي تمييز عنصري أو بهيمنة مقاطعة على أخرى، ولذلك ترى اليهود والزنوج وسكان أمريكا الجنوبية ذوي الأصول الهندية يشغلون أرفع المناصب بالحزب، ومن بين هؤلاء يجري دائمًا اختيار حكام الأقاليم. ولا يشعر سكان أي إقليم في أوقيانا بأنهم مستعمَرون أو أن شؤونهم تدار من قبل عاصمة بعيدة، فأوقيانيا بلا عاصمة، ورئيسها الفخري لا يعرف أحد مكانه. وليس في أوقيانيا أي شكل من أشكال المركزية باستثناء أن الإنجليزية هي اللغة الرئيسية واللغة الجديدة هي اللغة الرسمية. أما حكامها فلا تجمعهم آصرة دم بل يجمعهم الولاء لعقيدة مشتركة. نعم إن مجتمعنا ينتظم طبقة فوق طبقة بشكل صارم فيما يبدو للوهلة الأولى وكأنه يرتكز على أسس وراثية، وأضحى نادراً في مجتمعنا أن يحدث حراك بين الطبقات مثلما كان الحال في ظل الرأسمالية أو حتى في عصر ما قبل التصنيع. وفيما بين جناحي الحزب يوجد قدر معين من تبادل المقاعد بين الأعضاء ولكن بما يضمن استبعاد العناصر الضعيفة من الحزب الداخلي واستقطاب الطموحين من أعضاء الحزب الخارجي بترفيعهم إلى الحزب الداخلي. أما أفراد طبقة العامة فلا يسمع لهم في الواقع بنيل عضوية الحزب، وإذا خرج من بينهم أشخاص من ذوي المواهب الفذة والذين يمكن أن يكونوا نواة لإثارة القلاقل، فإن شرطة الفكر تترصدهم تمهيدًا لاستئصال شأفتهم. ولكن هذه الحالة ليست بالضرورة دائمة كما أنها ليست مسألة مبدأ، فالحزب ليس طبقة بالمعنى القديم لهذه الكلمة، ولا يهدف إلى نقل السلطة إلى أبنائه، وإذا تعدر عليه إبقاء الأشخاص الأقدر فوق قمة الهرم فإنه يصبح على أتم الاستعداد لأن يجند جيلًا كاملًا وجديداً من بين صفوف العامة. وفي السنوات العصيبة التي مر بها الحزب كان لفكرة أن الحزب ليس بهيثة وراثية دور كبير في إبطال حجج المعارضة، فالاشتراكي القديم الذي درب على النضال ضد كل ما تفوح منه رائحة «التمايز الطبقي» كان يظن أن كل ما ليس وراثياً لا دوام له، كما لم يفطن هذا الصنف من الاشتراكين إلى أن استمرار حكم الأقلية لا يستلزم أن يكون ماديًا، ولا هو استوقف نفسه للتفكير في أن الأرستقراطيات الوراثية كانت دائماً قصيرة العمر، بينما بقيت منظمات رعوية مثل الكنيسة الكاثوليكية مثلًا لمئات أو آلاف السنين. إن جوهر حكم القلة ليس وراثة الابن لأبيه، وإنما هو استمرارية رؤية للعالم وأسلوب حياة يفرضهما الموتى على الأحياء، وتظل الفئة الحاكمة حاكمة ما دامت قادرة على تعيين خلفائها. ولا يهتم الحزب بإبقاء سلالة بعينها وإنما يهتم بتخليد مبادئه، فليس مهماً مَن يتولى السلطة طالما أن التركيب الهرمي للمجتمع لن يمس وسيظل على ما هو عليه.
ومن هنا فإن جميع المعتقدات والعادات والأذواق والاتجاهات العقلية التي تميز عصرنا الحاضر قد حيكت بطريقة تبقي على هالة الغموض التي تظلل الحزب، كما تحول دون انكشاف الطبيعة الحقيقة لمجتمع اليوم، وهو ما يجعل التمرد أو أي خطوات تمهد له في الوقت الراهن أمرًا مستحيلًا. وأما عن البروليتاريا فلا خوف من ناحيتهم، فأفرادها، إذا ما تُركوا وشأنهم، فإنهم سيستمرون من جيل إلى جيل ومن قرن إلى قرن يعملون ويتناسلون ويموتون، ليس دون أن يكون لديهم أدنى دافع للتمرد فحسب، بل ودون أن تكون لديهم القدرة على إداك أن العالم يمكن أن يكون على غير ما هو عليه الآن. وهم لا يصبحون مصدر خطر إلا إذا بات التقدم الصناعي مرهوناً بتثقيفهم ثقافة عالية، ولكن لأن التنافس العسكري والاقتصادي لم يعد ذا أهمية، فإن مستوى التثقيف الشعبي آخذ فعلًا في التدهور، بل لقد أصبع الحزب ينظر نظرة لامبالية إلى ما تعتنقه أو ترفضه العامة من أفكار، ولا يمانع في منحهم حرية فكرية طالما أنهم مجرّدون من القدرة على التفكير. وأما عضو الحزب فلا يمكن التسامح حيال أبسط الانحرافات في رأيه حول أتفه الموضوعات.
إن عضو الحزب يعيش من يوم مولده حتى يوم مماته تحت بصر وسمع شرطة الفكر، فحتى حينما يكون في خلوة مع نفسه لا يستطيع الجزم بانه كذلك، فأينما يكون: نائما أو مستيقظا، في عمله أو استراحته، في حمامه أو فراشه، فإنه موضوع تحت المراقبة دون أن ينبهه أحد إلى ذلك ودون أن يفطن إلى أنه تحت رقابة دقيقة. فلا شيء مما يفعل غير هام لدى شرطة الفكر التي يرقبه عملاؤها ليل نهار، فيراقبون سلوكه إزاء زوجته وأطفاله، ويرصدون حتى الكلمات التي يتلفظ بها في نومه، وتعبيرات وجهه حينما يكون بمفرده، وحركاته المعهودة، بل ولا يفوتهم أن يفحصوا صداقاته ويراقبوه في أوقات نومه. وليس بوسع شرطة الفكر أن تكتشف أعماله السيئة فحسب، بل يمكنها أن تكشف عن أي غرابة في أطواره مهما كانت بسيطة، أو تغير في عاداته، أو أي لازمة عصبية قد تكون عرضاً من أعراض صراع داخلي. كما أنه لا يملك حرية الاختيار في أي شيء، ومن ناحية أخرى فإن تصرفاته ليست محكومة بقانون أو باي قواعد سلوكية محددة المعالم، فليس هنالك قانون في أوقيانيا، فالأفكار والتصرفات التي، حينما تكتشف، تعني موتاً محققاً لفاعلها ليست ممنوعة رسميًا، وليست كل التصفيات الجسدية، والاعتقالات والتعذيب وأحكام السجن وعمليات التبخير عقاباً على جرائم ارتكبت فعلًا، بل هي مجرد استئصال لأشخاص فد يقترفون جرماً في المستقبل. ولا يكفي أن يكون عضو الحزب ذا رأي سليم فحسب، بل يجب أن تكون غرائزه سليمة أيضاً. وكثير من المعتقدات التي يطلب منه أن يعتنقها والمواقف التي يتبناها ليست معلنة بوضوح، ولا يمكن إعلانها بغير فضح للمتناقضات الكامنة في الاشتراكية الإنجليزية. وإذا كان الشخص بالفعل مخلصاً للحزب، ويسمى في اللغة الحديثة «حسن التفكير»، فإنه يعرف، في شتى الظروف وبدون حاجة إلى التفكير، ما هو المعتقد الصحيح أو ما هي العاطفة المرغوبة. وعلى أي حال فإن التدريب الذهني المدروس الذي يخضع له العضو في طفولته والذي يمكن اختصاره في مفردات اللفة الجديدة «إيقاف الجريمة، بياض السواد، ازدواجية التفكير»، يجعله يعزف بل ويعجز عن إمعان التفكير في أي موضوع.
ويفترض في عضو الحزب ألا يكون صاحب عواطف خاصة والا يعتري حماسه أي فتور، كما يفترض أن لتستحوذ عليه كراهية لا يفتر لها سعار إزاء أعداء الخارج وعملاء الداخل، وأن يشعر بنشوة النصر وأن يحقّر ذاته أمام سلطان الحزب وحكمته. وأما ما يعتمل داخله من مشاعر استياء تتولد لديه بسبب حياة الشظف والعناء التي يعيشها فيتم توجيهها عمدًا نحو الخارج وتبديدها بتلك الحيل المبتكرة خلال «دقيقتي الكراهية»، كما أن التأملات التي ربما تولّد لدى العضو موقفًا ينزع للشك أو التمرد يتم وأدها سلفاً بنظام الانضباط الداخلي الذي اكتسبه في طفولته وتسمى أولى مراحل هذا الانضباط وابسطها، والتي يمكن حتى تلقينها لصغار الأطفال، في اللغة الجديدة، ب «إيقاف الجريمة». وهي تعني القدرة على وأد، كما لو كان بالغريزة، أي فكرة تنطوي على خطر، وتتضمن أيضاً عدم القدرة على فهم المتشابهات، وعدم القدرة على إدراك الأغلاط المنطقية، وإساءة فهم أبسط الحجج إذا كانت مناوئة للاشتراكية الإنجليزية، والتبرّم والانزعاج من أي أفكار قد تؤدي إلى اتجاهات انحرافية عن مبادئ الحزب. جملة القول، إن كلمة «إيقاف الجريمة» تعني غباءً وقائيًا، وإن كانت كلمة غباء غير كافية في هذا الصدد. وعلى النقيض فإن الولاء للحزب بكل ما تحمل الكلمة من معان يتطلب من المرء إن يتحكم تحكمًا تامًا في العمليات الفكرية التي تدور في ذهنه تمامًا مثلما يتحكم لاعب الأكروبات في جسمه. ويتفق المجتمع الأوقياني في نهاية الأمر على الإيمان بأن الأخ الكبير قادر على كل شيء وأن الحزب معصوم عن الخطأ، ولكن لمّا كان واقع الأمر يقول إن الأخ الكبير ليس قادراً على كل شيء وأن الحزب ليس معصوماً عن الخطأ، فان ثمة حاجة إلى مرونة دائمة في معالجة الحقائق. والكلمة الرئيسية في هذا الصدد هي «بياض السواد»، وهي مثلها مثل كثير من كلمات اللغة الجديدة ذات معنيين متناقضين، فإذا استعملت لوصف خصم، فإنها تعني عادةً الادعاء في صفافة بأن الأسود أبيض بما يتناقض مع أبسط الحقائق، أما إذا استعملت مع عضو الحزب فهي تعني الرغبة الصادقة للقول بأن الأسود أبيض حينما يتطلب نظام الحزب ذلك. لكنها تعني أيضًا لقدرة على الاعتقاد بأن الأسود أبيض، وأكثر من ذلك أن يعرف المرء أن الأسود أبيض وينسى تمامًا أنه كان يعتقد عكس ذلك من قبل، وهذا يتطلب تغييرًا مستمرًا للماضي من خلال نهج في التفكير يحتوي الضدين معًا والذي يطلق عليه في اللغة الجديدة «ازدواجية التفكير».
إن تغيير الماضي ضروري لسببين، أولهما وهو ثانوي أو لنقل احترازي، أن عضو الحزب مثله مثل أي فرد من طبقة البروليتاريا يحتمل ظروف حياته الراهنة لأنه لا يملك معايير للمقارنة، إذ يجب أن ينقطع انقطاعاً كلياً عن الماضي تماماً كما يجب أن ينقطع عن الأقطار الأجنبية لأن من الضروري بالنسبة إليه أن يؤمن بأنه أفضل حالًا من أسلافه وأن مستوى معيشته ورفاهيته في ارتفاع دائم، وأما السبب الأكثر أهمية لإعادة رسم الماضي فيكمن في الحاجة إلى حماية فكرة عصمة الحزب. ولا يتوقف ذلك عند مجرد تحديث وتعديل جميع الخطب والإحصائيات والسجلات بصفة دائمة ومتواصلة إثباتاً لأن تنبؤات الحزب كانت في جميع الأحوال صائبة فحسب، وإنما يمتد إلى اعتبار أي تغيير في مبادئ الحزب أو في الولاءات السياسية أمراً غير مقبول إطلاقاً وذلك لأن تغيير المرء لرأيه أو حتى لسياسته هو بمثابة إقرار بالضعف. فإذا كانت أوراسيا أو إيستاسيا مثلًا حسبما يصادف الأمر، هي عدو اليوم، فإن هذه الدولة يجب أن تظل دائماً هي العدو. أما إذا كانت حقائق الواقع تقول بغير ذلك، فحينئذ يجب تغيير هذه الحقائق، وهكذا تتواصل عملية إعادة كتابة التاريخ مرة بعد مرة وبلا توقف. ولا يقل هذا التزييف المتواصل للماضي، والذي تقوم عليه وزارة الحقيقة أهمية، عن الممارسات القمعية وأعمال الجاسوسية التي تقوم عليها وزارة الحب بالنسبة لاستقرار النظام.
إن قابلية تبديل الماضي هي العقيدة الرئيسية في الاشتراكية الإنجليزية، إذ يعتبر الحزب أن أحداث الماضي ليست بذات وجود موضوعي لأنها لا تعيش إلا بين صفحات السجلات المكتوبة وفي ذاكرة الإنسان، فالماضي هو ما تتفق عليه كل من السجلات والذاكرات، ولما كان الحزب يسيطر سيطرة تامة على السجلات كما على عقول أعضائه، فإن الماضي، تبعاً لذلك، هو ما يريده الحزب وما يشاء أن يصنع منه. وتبعاً لذلك أيضًا وبالرغم من قابلية الماضي للتبديل، فإنه لم يتبدل قط في لحظة من اللحظات ذلك أنه عندما تعاد صياغته في القالب الذي تستلزمه متطلبات المرحلة الراهنة، فإن هذه الصياغة الجديدة تصبح هي الماضي ولا ماض سواه قد وجد. ويظل هذا مقبولًا حتى حينما يتعين تغيير حادث بذاته، وهو غالباً ما يحدث مرات عديدة في غضون سنة واحدة، وفي جميع هده الأحوال يظل الحزب هو من يملك ناصية الحقيقة المطلقة، والحقيقة المطلقة في نظره لم تختلف يوماً عما هو عليه واقع الحال. ومن الواضح أن السيطرة على الماضي تتوقف قبل كل شيء على تدريب الذاكرة، وعملية التأكد من أن جميع السجلات المكتوبة تتفق مع الاعتقاد الصحيح المعتمد لا تعدو كونها مجرد عمل آلي. لكن من الضروري أن يتذكر المرء أن الأحداث وقعت بالطريقة المرغوبة. ولئن كان ضرورياً للمرء أن يعيد تشكيل ذكرياته أو يعبث بالسجلات المكتوبة، فمن الضروري أيضاً أن ينسى أنه قد فعل هذا. وهذا الاحتيال يمكن أن يتعلمه المرء مثلما يتعلم أي طريقة ذهنية، وهو الأمر الذي يتعلمه غالبية أعضاء الحزب وبالأخص الأذكياء منهم والمخلصين للحزب، وكان يطلق على ذلك في اللغة القديمة «السيطرة على الحقيقة» بينما يطلق عليه في اللغة الجديدة «ازدواجية التفكير» على الرغم من أن ازدواجية التفكير تعني كثيرًا من الأشياء الأخرى أيضًا.
فازدواجية التفكير تعني القدرة على اعتناق معتقدين متناقضين في آن واحد وقبولهما معاً. فالمفكر الحزبي يعرف الوجهة التي يجب أن تأخذها ذكرياته عند تغاييرها، ويعرف بناء على ذلك أنه يتلاعب بالحقيقة، ولكنه بممارسة ازدواجية التفكير يُقنع نفسه بأنه لم يدنّس الحقيقة. ويتعين أن تجري هذه العملية عن وعي وإدراك وإلا تعذّر تنفيذها بالدقة المطلوبة، كما ينبغي أن تتم بدون وعي أيضاً وإلا فإنها ستولّد شعورًا بالزيف ومن ثم بالإثم. إن ازدواجية التفكير تقع في صميم مبادئ الاشتراكية الإنجليزية باعتبار أن المنهج الرئيسي للحزب هو استخدام الخداع الواعي مع الاحتفاظ بثبات الغاية التي تظل محاطة بالصدق. ولذلك لابد لعضو الحزب أن يكذب متعمّداً وهو يؤمن في قرارة نفسه بكذبه، وان لينسى أي حقيقة باتت غير ملائمة، ثم عندما تمس الحاجة إليها مرة ثانية فإنهم يستدعونها من غياهب النسيان، وأن ينكروا وجود الحقيقة الموضوعية وان يأخذوا بالحسبان ذلك الواقع الذي أنكروه. بل وحتى عند استعمال عبارة ازدواجية التفكير من الضروري أن يمارس المرء ازدواجية التفكير، ذلك أن المرء باستعماله هذه العبارة إنما يعترف بأنه إنما يتلاعب بالحقائق، فمع كل مرة يلجأ فيها المرء لازدواجية التفكير فإنه يطمس معرفة ما وهكذا دواليك حتى تتراكم الأكاذيب وتجثم فوق الحقيقة. وفي النهاية فقد استطاع الحزب من خلال ازدواجية التفكير أن يظل وربما سيطل لآلاف السنين ممسكاً بناصية التاريخ.
لقد هوت جميع الأقليات الحاكمة إما لأنها تحجرت أو لأنها باتت هشة. فإما أنها أصيبت بالبلادة والغطرسة وعجزت عن مواكبة الطروف المتغيرة مما أفضى بها إلى السقوط، أو أنها أصبحت ليبرالية جبانة وقدمت تنازلات عندما كان ينبغي عليها اللجوء للقوة ومن ثم سقطت أيضاً. بعبارة أخرى، لقد سقطت هذه الأقليات إما بوعي أو بدون وعي. وإنه لمما يُسَجّل للحزب انه أوجد نظامًا فكرياً يمكن لهاتين الحالتين أن تتواجدا معًا في آن واحد. ولا يمكن أن تدوم للحزب هيمنة على أي أساس فكري غير هذا الأساس، فإذا أراد المرء أن يحكم وأن يستمر في الحكم فعليه أن يكون قادراً على زعزعة الإحساس بالواقع. وذلك لأن سر أسرار الحكم هو جمع المرء بين إيمانه بأنه لا يخطئ وقدرته على التعلم من أخطاء الماضي.
وليست هنالك حاجة تدعو للقول بأن أكثر ممارسي ازدواجية التفكير دهاء هم أولئك الذين ابتدعوه ويدركون أنه منظومة فعالة للخداع العقلي. وفي مجتمعنا فإن أولئك الأكثر إدراكاً لما يحدث هم نفسهم الأكثر عجزًا عن رؤية العالم كما هو فعلًا. مجمل القول انه كلما ازداد المرء فهمًا تسعت هوة الوهم، وكلما اتقد ذكاؤه كان أقل حكمة. والمثال الأوضح على ذلك هو حقيقة أن هستيريا الحرب تتأجج كلما ارتقى المرء في السلم الاجتماعي، إذ لا يقف من الحرب موقفًا عقلانيًا إلا رعايا الأراضي المتنازع عليها، فالحرب لدى هؤلاء ما هي إلا إعصار يجتاحهم جيئة وذهابًا، وهم لا يبالون البتة بأي الأطراف سينتصر في الحرب لأنهم يدركون أن تغيير سادتهم لا يعني أكثر من أنهم سيؤدون نفس فروض الطاعة للسادة الجدد والدين سيسومونهم العذاب ذاته الذي كان سادتهم القدامى يسومونهم إياه. وأما العمال الأفضل حالًا من هؤلاء بقليل والذين نطلق عليهم «العامة» فلا يشعرون بالحرب إلا على نحو متقطع. ويمكن لهؤلاء حينما تدعو الضرورة أن ينخرطوا في نوبات من الخوف وسعار الكراهية، غير أنهم إذا تُركوا وسأنهم فإنهم يصبحون قادرين على النسيان ولفترات طويلة أن ثمة حرباً تدور رحاها. أما الحماس الحقيقي للحرب فلا يوجد إلا في صفوف الحزب، وبالأخص في صفوف الحزب الداخلي حيث توجد تلك الفئة الأرسخ إيمانًا بغزو العالم واحتلاله رغم معرفتهم أن تحقق ذلك إن هو إلا وهم. ويعتبر مثل هذا الجمع الغريب بين الأضداد - المعرفة مع الجهل، والسخرية مع التعصب - هو من أخص الخصائص المميزة للمجتمع الأوقياني. وتزخر الأيديولوجية الرسمية بالمتناقضات حتى حينما لا يكون ثمة سبب فعلي يستدعي ذلك، وهكذا فإن الحزب يرفض كل مبدأ أيدته الحركة الاشتراكية في الأصل، بل ويحط من قدره وهو حينما يفعل ذلك فإنما يفعله باسم الاشتراكية، ويدعو الحزب لازدراء الطبقة العاملة ازدراء لم يسبق له مثيل في القرون الماضية وفي الوقت نفسه يلبس أعضاءه زياً موحداً كان في يوم من الأيام ليميز العمال اليدويين، ولهذا السبب اختاره الحزب. ويعمل الحزب بصورة منهجية على تقويض دعائم التماسك الأسري، ويطلق على زعيمه اسم «الأخ الكبير» وهو رمز مباشر للولاء الأسري، بل وحتى أسماء الوزارات الأربع التي تحكمنا تبدي شيئاً من الصفاقة فيما تمارسه من قلب متعمد للحقائق، فوزارة السلام تعنى بشؤون الحرب، ووزارة الحقيقة مهمّتها التزوير وخلق الأكاذيب، ووزارة الحب تسوم الناس العذاب، أما وزارة الوفرة فتعنى بتجويع الناس حتى الموت. وليست مثل هذه المتناقضات عرضية كما أنها ليست نتاجاً لرياء عادي، بل هي ممارسات مدروسة ومخططة لازدواجية التفكير، ذلك أنه لا يمكن الاحتفاظ بالسلطة إلى الأبد إلا عبر التوفيق بين المتناقضات، وليس ثمة طريق آخر لكسر الحلقة القديمة. وإذا كان ينبغي تجنب المساواة بين البشر إلى الأبد، أي إذا كان على الطبقة العليا كما أسميناها أن تحتفظ بموقعها بصفة دائمة، فإن عليها السيطرة على الحالة الفكرية السائدة التي هي الجنون.
ولكن ثمة سؤال واحد تغاضينا عنه حتى الآن وهو: لماذا يجب تجنب المساواة بين البشر؟ وإذا افترضنا أن آليات العملية قد وصفت وصفاً دقيقًا، فما هو الدافع وراء هدا الجهد الضخم والمنظم بدقة وعناية من أجل تجميد التاريخ عند لحظة معينة في الزمن؟
وهنا نصل إلى سر الأسرار، فكما رأينا فإن هالة الغموض التي تحيط بالحزب وعلى الأخص بالحزب الداخلي تعتمد على ازدواجية التفكير، ولكن الأعمق من ذلك هو الدافع الأصلي والغريزة التي لم تكن مثار شك أبداً والتي كانت الحافز الأول للقفز على السلطة وجاءت بازدواجية التفكير ثم شرطة الفكر وحالة الحرب الدائمة وجميع المظاهر الأخرى الضرورية التي ظهرت للوجود فيما بعد. ويتضمن هذا الدافع فعلًا من ...
وهنا أصبح ونستود يشعر بالصمت كما يشعر المرء بصوت جديد انبعث حوله، وخيل إليه أن جوليا كانت ساكنة الحركة لفترة طويلة، وكانت ترقد على جنبها وعارية من الخصر فما فوق وقد توسدت راحة يدها وتدلت خصلة شعر بين عينيها بينما كان صدرها يعلو ويهبط على نحو بطيء ومنتظم، فناداها:
- جوليا.
فلم تحر جوابا.
- جوليا هل أنت مستيقظة؟
ولكنها لم تجب أيضاً لأنها كانت قد راحت في نوم عميق، فأغلق الكتاب ثم وضعه بعناية على الأرض، ثم اضطجع ساحبًا لغطاء ليغطي جوليا ويندس إلى جانبها.
لكنه راح يفكر في أنه لم يعرف بعد السر النهائي، لقد فهم «كيف» ولكنه لم يفهم «لماذا»، فالفصل الأول شأنه شأن الفصل الثالث لم يأت بجديد لم يكن يعرفه من قبل، فكل ما فعله هو أنه رتب له ما كان يعرفه بالفعل. لكنه بعد قراءته للفصلين بات واثقاً أكثر من ذي قبل أنه لم يكن مجنوناً، وأن وجود المرء بين أقلية حتى لو كانت هذه الأقلية تتألف من فرد واحد فحسب لا يجعله مجنوناً، إذ هنالك حقيقة وكذب وإذا ما تمسكت بالحقيقة حتى لو كان في ذلك مواجهة للعالم أجمع، فإن هذا يعني أنك لست مجنوناً. وكانت صفرة الشمس الغاربة تنسل عبر النافذة وتسقط على الوسادة، فأغمض ونستون عينيه، وكان شعاع الشمس على وجهه فضلا عن جسد الفتاة الناعم الذي يلامس جسده قد ولّدا لديه إحساساً بالثقة ورغبة في النوم. كان يشعر بالأمان وبأن كل شيء على ما يرام، ولذلك فقد راح في نوم عميق وهو يتمتم بعبارة «سلامة العقل ليست مسألة إحصائية» والتي كان يشعر بأنها تنطوي على حكمة بالغة وعميقة.
وحينما استيقظ كان يحس وكأنه قد نام وقتاً طويلاً، ولكن نظرة واحدة ألقاها على الساعة عتيقة الطراز أكدت له أن الساعة لم تتجاوز الثامنة والنصف بعد. ولذلك فقد أخذته سنة من النوم ثم أفاق على ذاك الغناء المألوف المنبعث من الساحة التي تطل عليها الغرفة:
كان حلماً مقطوع الرجاء
مرّ كيوم من نيسان
ولكن بنظرة وكلمة وأحلام أثاروها
استُلب مني فؤادي
كان يبدو أن هذه الأغنية التافهة قد حافظت على شعبيتها وانتشارها، لقد كان المرء أينما ذهب يسمعها، بل لقد فاقت أغنية الكراهية نفسها. استيقظت جوليا على الصوت وتمطت بتلذذ ثم نهضت من الفراش.
وقالت: «إنني جائعة، دعنا نعدّ بعض القهوة. يا للعنة! لقد انطفأ الموقد وبرد الماء». ورفعت الموقد وهزته بيدها وقالت: «لقد نفد منه الزيت».
- أظن أنه يمكننا الحصول على بعض الزيت من شارنغتون العجوز.
ثم أضافت قائلة: «الشيء المضحك أنني تأكدت من أنه كان ملآن، سألبس ثيابي، إذ يبدو أن الطقس قد ازداد برودة».
ونهض ونستون أيضا ولبس ثيابه، وكان ذلك الصوت الذي لا يلحق به الكلل أو الملل يواصل الغناء:
يقولون إن الزمن يداوي كل الجراح
يقولون إن المرء بوسعه أن ينسى دائماً
بيد أن الابتسامات والدموع عبر السنين
ما تزال إلى الآن تقطع نياط قلبي!
اتجه ونستون نحو النافذة بينما كان يشد حزامه. لا بد أن الشمس قد توارت خلف البيوت إذ كان ضوؤها قد انحسر عن الساحة، وكانت الحجارة مبتلة كلما لو كانت قد غُسلت لتوها، بل لقد خامره شعور بأن السماء نفسها قد غسلت أيضاً فقد كانت زرقتها التي بين أعمدة المداخن نضرة وشاحبة. وكانت المرأة صاحبة هذا الصوت تذرع الساحة جيئة وذهاباً بلا كلل أو ملل، فتارة تغني وأخرى تلزم الصمت لكنها كانت دائماً تعلق مزيداً من حفاضات الأطفال. وتساءل ونستون في نفسه عما إذا كانت تزاول الغسيل كمهنة من أجل كسب قوتها، أو أنها كانت مجرد خادمة لعشرين أو ثلاثين حفيداً. كانت جوليا قد جاءت لتقف إلى جانبه، وراحا معاً يحملقان إلى الأسفل وقد خلب لبهما القوام القوي لهذه المرأة. وعندما تطلع إلى المرأة بهيئتها المميزة وذراعيها الغليظتين وهما تمتدان حتى تطالا حبل الغسيل، وردفيها البارزين ككفل حصان، أدرك وللمرّة الأولى أن هذه المرأة جميلة. ولم يكن قد خطر بباله من قبل أن امرأة في الخمسين أخذ جسمها أبعادا هائلة جراء حمل الأطفال، ثم تصلّب بعدئذ واخشوشن بالعمل حتى قسى مثل لفتة شائخة، يمكن أن تكون جميلة. لكنها كانت جميلة. ولم لا؟ إن بين جسمها الصلب الذي ضاعت خطوطه مثل صخرة من الجرانيت وجلدها الأحمر الخشن، علاقة تشبه تلك التي بين تاج الوردة وكأسها. فلماذا ينبغي أن تكون الثمرة في مرتبة أدنى من مرتبة الزهرة؟
وحينئذ غمغم ونستون: «إنها جميلة».
وأضافت جوليا: «إن عرض ردفيها يبلغ متراً كاملاً».
فقال ونستون: «هذا هو سر جمالها».
وأمسك بخصر جوليا اللدن ثم أحاطه بذراعه، والتصق به جسمها من ردفيها حتى ركبتيها. لكن ونستون كان يعلم أن ما يقومان به لا يمكن أن يثمر طفلاً، فهذا هو الشيء الوحيد الذي لا يمكنهما فعله. ولم يكن بإمكانهما الإفصاح عن هذا السر لأحد إلا بكلمة يتلفظ بها من عقل إلى عقل. أما المرأة التي كانت في الساحة فلا عقل لها، فهي لا تملك سوى ذراعين مفتولتين وقلب حار ورحم خصب. وتساءل ونستون عن عدد الأطفال الذين أنجبتهم، ربما أنجبت خمسة عشر طفلاً، لا شك أنها مرّت بازدهار عابر وسريع، ربما لسنة من الزمن، ازدهار وجمال وردة برية، ثم انتفخت فجأة مثل ثمرة جيدة فأصبحت صلبة حمراء خشنة، بعدئذ غدت حياتها عبارة عن أشواط متواصلة من الغسيل والتنظيف والرتق والطهو والكنس والتلميع لأطفالها أولاً ثم لأحفادها فيما بعد وعلى مدى ثلاثين سنة متصلة ومع ذلك فهي لا تزال تغني. ولقد امتزجت مشاعر التبجيل الغامض التي أحسها ونستون نحوها مع المشهد الشاحب للسماء الخالية من الغيوم والممتدة لما وراء أعمدة المداخن إلى مسافات لا نهاية لها. وقد لفت نظره أن السماء التي تظلل الجميع واحدة سواء كان ذلك في أوراسيا أو إيستاسيا أو حتى هنا في أوقيانيا، كما أن الناس الذين تظلّلهم السماء يتشابهون إلى حد كبير أينما كانوا، ففي جميع أنحاء العالم يعيش مئات ألوف من ملايين الأشخاص على هذا المنوال، حيث يجهل بعضهم وجود بعض، وتفصل بينهم جدران من الكراهية والأكاذيب ومع ذلك فإنهم متماثلين. أناس لم يتعلموا أبداً كيف يفكرون ولكنهم يختزنون في قلوبهم وبطونهم وعضلاتهم القدرة التي يمكن في يوم من الأيام أن تقلب نظام العالم. فإذا كان هناك أمل فإنه يكمن في العامة! ومن دون أن يكمل قراءة الكتاب أدرك أن تلك لا بد أن تكون رسالة غولدشتاين الأخيرة. إن المستقبل ملك العامة، وتساءل ونستون: هل يمكنني أن أضمن أنهم عندما يحين وقتهم ويمسكون بزمام أمور العالم فإن العالم الذي سينشئونه لن يكون غريباً عليّ كهذا العالم الذي يهيمن عليه الحزب؟ أجل سيكون كذلك لأنه، على الأقل، سيكون عالم العقل. فحيثما توجد المساواة يوجد العقل، ولسوف يحدث ذلك إن عاجلاً أو آجلاً. سوف تتحول القوة إلى وعي. إن العامة خالدون، وهذه حقيقة لا يمكن أن يرقى إليها شك حينما ينظر المرء إلى القوام الراسخ للمرأة التي في الساحة. لا بد أنهم سيستيقظون في نهاية الأمر، وإلى أن يحدث ذلك، وبالرغم من أنه قد لا يحدث إلا بعد مضي ألف سنة، فإنهم سيبقون أحياء رغم كل الظروف مثل الطيور تنقل الحيوية من جسم إلى جسم دون أن يتمكن الحزب من تقاسمها معهم أو حتى قتلها.
وقال ونستون: «هل تذكرين العصفور الذي كان يغنّي لنا يوم التقينا عند طرف الغابة؟»
فقالت جوليا: «إنه لم يكن يغني لنا بل كان يغنِّ لنفسه، وربما ليس لهذا السبب أيضاً، بل لقد كان يغني لمجرد الغناء».
إن الطيور تغني والعامة تغني بيد أن الحزب لم يغنّي. وفي جميع أنحاء العالم، في لندن ونيويورك وأفريقيا والبرازيل وفي الأراضي المحرمة الواقعة وراء الحدود والتي يلفها الغموض وفي شوارع باريس وبرلين وفي قرى السهول الروسية الشاسعة وفي أسواق اليابان والصين - في كل مكان تنتصب شبيهات هذه المرأة ذات القوام الصلب الذي لا يكل أو يمل واللائي تضخمت أجسامهن من جراء العمل وإنجاب الأطفال والكدح من المهد إلى اللحد ومع ذلك يغنين. ومن أصلاب هؤلاء سيخرج حتمًا جيل واع. فإذا كنا من الأموات، فإن المستقبل لهم، إلّا أنه من الممكن لنا المشاركة في ذلك المستقبل إذا استطعنا إبقاء العقل منّا حياً كما يبقون هم أجسادهم حية، ونقلنا العقيدة السرية التي مفادها أن اثنين واثنين يساويان أربعة إلى القادم من الأجيال.
وقال ونستون: «إننا نحن الأموات».
فردت جوليا بصوت كأنه الصدى: «إننا نحن الأموات».
فقال صوت حديدي ينبعث من خلفهما: «إنكما أنتما لميّتان!»
فانتفضا وانفصل واحدهما عن الآخر، وشعر ونستون أن الدم تجمد في عروقه، ورأى البياض حول حدقتي عيني جوليا وشحب وجهها كله حتى أن بقايا الصباغ الأحمر التي على وجنتيها قد برزتا وكأنهما غير متصلتين بالبشرة التي تحتهما.
وكرر الصوت الحديدي: «إنكما لميّتان».
وهمست جوليا: «إن الصوت يأتي من وراء اللوحة».
فقال الصوت: «أجل إنه يأتي من وراء اللوحة، اثبتا مكانكما ولا تتحركا حتى يصدر لكما أمر آخر».
إنها بداية النهاية، إنها بداية النهاية! لم يكن باستطاعتهما أن يفعلا أي شيء غير أن يحدق أحدهما في الآخر، ولم تخطر ببالهما فكرة أن ينجوا بحياتهما ولغادرا المنزل قبل فوات الأوان، فلا يعقل أن يتصورا أن بوسعهما عصيان الصوت الحديدي الصادر من الجدار. ثم سمعا صوت فرقعة تلاه صوت زجاج يتهشم، لقد سقطت اللوحة على الأرض كاشفة شاشة الرصد المخبأة وراءها.
قالت جوليا: «إنهم يروننا الآن».
فقال الصوت: «إننا نراكما الآن. قفا في منتصف الغرفة وليدر كل منكما ظهره للأخر، وليضع يديه خلف رأسه ولا يمسس أحدكما الآخر».
ولم يمسس أحدهما الآخر ومع ذلك ظل ونستون يشعر وكأن جسد جوليا يرتجف أو ربما كان جسده هو الذي يرتجف. وقد استطاع بشق الأنفس أن يمنع أسنانه من أن تصر صريراً، لكن ركبتيه كانتا خارجتين عن سيطرته، ثم سمعا وقع أقدام قوية في داخل المنزل وخارجه، وبدا أن الساحة قد اكتظت بالرجال وأن شيئاً ما يتم جره على الأحجار وتوقفت المرأة عن الغناء فجأة. وسمع صوت طقطقة وكأن حوض الغسيل قد قذف به عبر الساحة وأعقب ذلك جلبة من الهتافات الغاضبة التي انتهت بصرخات ألم.
وقال ونستون: «إن البيت محاصر».
فقال الصوت: «إن البيت محاصر».
وسمع ونستون جوليا تصر على أسنانها وتقول: «أعتقد أنه يحسن بنا أن يودع كل منا الآخر».
فقال الصوت: «يحسن بكما أن يودع كل منكما الآخر».
ثم سمعا صوتاً آخر يختلف تماماً عن الصوت الحديدي، وكان صوتاً رقيقاً مهذباً وبدا لونستون أنه سمعه من قبل هو يقول: «وبالمناسبة، وما دمنا بصدد هذا الموضوع، فها هي شمعة تستنير بها في الطريق إلى الفراش، وها هي مقصلة تحزّ عنقك!»
وسمع ونستون صوت شيء يتهشم خلفه ويقع على الفراش، لقد برز رأس سلم من النافذة وبدا أن شخصاً ما يتسلقه للدخول عبر النافذة. وارتفع وقع أقدام على درج المنزل ولم تمر لحظات حتى أصبحت الغرفة غاصة برجال أشداء يرتدون بزات سوداء وأحذية ذات نعال حديدية ويلوحون بهراوات في أيديهم.
ولم يعد ونستون يرتجف، بل حتى لم يكن يحرك عينيه. كان الشيء الوحيد الذي يهمه هو أن يحتفظ بسكونه لئلا يعطي أحدهم حجة لضربه! وتوقف قبالته رجل ذو فكٍّ يشبه فك مصارع حيث كان فمه كشق مفتوح، وراح يلوح بهراوته واضعا إياها بين إبهامه وسبابته. والتقت عينا ونستون عيني هذا الرجل وكان شعور ونستون بالعري، وبيديه المرفوعتين خلف رأسه وبوجهه وجسده المكشوفين شعوراً لا يحتمل. ولعق الرجل شفتيه بلسانه ثم سمع صوت فرقعة آخر، لقد تناول أحدهم الثقل الزجاجي من فوق المنضدة ثم ألقى به فوق حجر المدفأة فتهشم.
وتدحرجت قطعة المرجان على الأرض، وكانت ضئيلة جدا. بعدئذ سمع شهقة وخبطة خلفه، ثم وعلى الفور تلقى ضربة عنيفة على كاحله كادت تُفقده توازنه، بينما كان رجل آخر يلكم جوليا في بطنها فارتمت على الأرض وهي تلهث محاولة تنشق للهواء، لكن ونستون لم يجسر على الالتفات قيد أنملة، وإن كان وجهها المزرق الشاحب واللاهث يأتي أحياناً في نطاق رؤيته. ورغم حالة الذعر التي استولت عليه فقد كان الألم الذي يشعر به أقل حدة من ذلك الذي كانت تحسه وهي تحاول استعادة أنفاسها. كان يدرك مدى الألم المضني الذي تتعرض له ولكنه ذلك الألم الذي لا يشعر به المرء ما دام عاجزا عن التقاط أنفاسه. بعدئذ انكب رجلان على جوليا ثم رفعاها من ركبتيها وكتفيها وحملاها خارج الغرفة كأنها كيس من الخيش. واستطاع ونستون أن يرى وجهها بلمحة خاطفة، كان وجهها منكفئا شاحب اللون مغلق العينين بينما كانت آثار الصباغ الأحمر لا زالت عالقة بوجنتيها وكان هذا هو آخر ما رآه منها. أما هو فقد بقي واقفاً وكأن على رأسه الطير، ولم يكن قد ضربه أحد بعد. لكن ثمة أفكار أخرى كانت تنبجس بسرعة في خاطره، فتساءل عما إذا كانوا قد ألقوا القبض على السيد شارنغتون، وعما فعلوه بالمرأة التي كانت في الساحة. ودهش لإحساسه بالحاجة الماسة إلى التبول مع أنه لم يكن قد انقضى غير ساعتين أو ثلاث على تبوله آخر مرة، كما هاله أن الساعة كانت تشير إلى التاسعة مساء بينما كانت الأنوار ما زالت مضاءة على غير العادة في ذلك الوقت من أغسطس، وتساءل عما إذا كان هو وجوليا قد أخطآ تقدير الوقت وناما حتى التاسعة من صباح اليوم التالي، لكنه لم يتابع هذه الفكرة لأنها لم تكن ذات فائدة.
وبعدئذ سمع ونستون وقع خطى أخف على الأرض، إنه السيد شارنغتون وقد دلف إلى الغرفة، وللتو بدت علامات الخضوع على وجوه الرجال ذوي الزي الأسود، كما بدا أن ثمة تغيراً قد طرأ على هيئة السيد شارنغتون الذي وقعت عيناه على شظايا الثقل الزجاجي، فقال بحدة:
- اجمعوا هذه الشظايا.
وانحنى أحد الرجال منفذاً الأمر. وكانت لهجة أحياء لندن الفقيرة قد اختفت لديه، وفي الحال أدرك ونستون من هو صاحب الصوت الذي كان يصدر عن الشاشة منذ دقائق. كان السيد شارنغتون لا يزال يرتدي معطفه المخملي العتيق ولكن شعره الأبيض كان قد صار أسود، كما لم يكن يرتدي نظارته. وحدج ونستون بنظرة حادة كما لو أنه يتحقق من هويته، ثم لم يعره بالاً بعد ذلك. وفطن ونستون إلى أن ثمة تغييرا قد طرأ على السيد شارنغتون، فقد غدا منتصب القامة وبدا أن جسمه قد أصبح أكثر امتلاء. أما وجهه فلم تطرأ عليه غير تغييرات طفيفة لكنها مع ذلك غيرت ملامحه تغييرا كاملا، فقد بدا حاجباه أقل كثافة، واختفت التجاعيد من وجهه، لقد تغيرت كل تقاسيم وجهه بل حتى أنفه قد بدا أقصر مما كان عليه. إنه وجه بارد يوحي بأن صاحبه لا يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، وسرعان ما تنبه ونستون أنه ولأول مرة في حياته يرى رأي العين عنصرا من عناصر شرطة الفكر.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق