السبت، 27 مايو 2017

الجزء الثاني - الفصل 3

الفصل الثالث




قالت جوليا: «بإمكاننا أن نأتي إلى هنا مرة أخرى، فليس ثمة خطر في استعمال المخبأ الواحد مرتين، ولكن ليس قبل مضي شهر أو شهرين».
حين أفاقت جوليا بدّلت هيئتها، وأصبحت أكثر تنبّهاً وحيوية فارتدت ثيابها وشدت حزامها القرمزي حول خصرها ثم أخذت ترسم خطة الإياب، وبدا من الطبيعي أن تُترك لها مثل هذه المهمة، فقد كانت تمتلك ما يفتقده ونستون من خبرة ودهاء يتطلبهما مثل هذا الأمر، كما كان لديها معرفة شاملة بالريف المحيط بلندن تراكمت لديها عبر الرحلات الجماعية الكثيرة التي قامت بها. كانت طريق الإياب التي رسمتها له غير تلك التي سلكها في مجيئه حيث جعلته يستقل القطار من محطة غير تلك جاء منها عند ذهابه. وقالت له كمن يرسي مبدأ عاماً وهاماً: «إياك والعودة إلى البيت من الطريق نفسه الذي سلكته في الذهاب». وحسب الخطة كانت ستغادر المكان أولا فيما سينتظر ونستون نصف ساعة قبل أن ينطلق عائداً بعدها.
وقد عينت له مكاناً يمكنهما اللقاء فيه بعد انتهاء العمل في الليلة الرابعة من ذلك التاريخ. وكان المكان عبارة عن شارع ضمن أكثر الأحياء بؤساً حيث توجد سوق مكشوفة تعج دائماً بالضجيج والازدحام، وكان من المقرر أن تتجول بين الحوانيت متظاهرة بأنها تبحث عن رباط نعل أو خيوط لرتي الثياب، وحين ترى أن المكان آمنٌ فسوف تعطس حينما يقترب منها، وإن لم تفعل فعليه أن يمر بها كما لو كان لا يعرفها. وإذا ما حالفهم الحظ سيكون من المأمون أن يتبادلا أطراف الحديث لربع ساعة مستغلين الزحام الحاصل وعندها يمكنهما ترتيب لقاء آخر.
وبعدما انتهت من تعليماتها، قالت: «يتعين عليّ الانصراف الآن. يجب أن أكون هناك في السابعة والنصف، إذ ينبغي أن أناوب ساعتين في رابطة الشبيبة المناهضة للجنس أمضيهما في توزيع المنشورات وما شاكلها. أليس في ذلك سخف؟ من فضلك انفض لي ثيابي. ألا زالت هناك أغصان عالقة بشعري؟ هل أنت متأكد؟ إذن إلى اللقاء يا حبيبي، إلى اللقاء!»
قالت هذا وألقت بنفسها بين ذراعيه وأمطرته بقبلات مشبوبة، ثم انسلّت من بين ذراعيه لتشق طريقها عبر أشجار الدردار وتختفي في الغابة دون أن تحدث صوتاً. وحتى هذه اللحظة لم يكن ونستون قد عرف اسمها كاملاً أو عنوانها بعد. لكن ذلك لم يكن ذا أهمية لأنه من المستبعد أن يلتقيا داخل منزل أو أن يتبادلا أي شكل من أشكال الرسائل فيما بينهما.
لم يعودا مرة أخرى إلى ذلك المكان من الغاب. وعلى مدى بقية شهر أيار لم تتح لهما سوى فرصة واحدة لممارسة الحب . . وكان ذلك في مخبأ آخر تعرفه جوليا، إنها غرفة برج كنيسة مهدمة في منطقة ريفية شبه مهجورة حيث سقطت قنبلة ذرية قبل ثلاثين سنة. كان مخبأ آمناً، لكن بلوغه كان محفوفاً بمخاطر جمة. أما بقية اللقاءات فكانت تتم في الشارع، وفي مكان مختلف كل مرّة دون أن يتجاوز لقاؤهما الواحد نصف الساعة. ففي الشارع كان بإمكانهما أن يتبادلا الحديث بشكل ما. وكانا عندما يسيران على الأرصفة المزدحمة يحرصان على ألا يسيران متجاورين أو يلتفت واحدهما إلى الآخر، وفي أثناء ذلك يتبادلان حديثاً متقطعاً بصورة تبعث على الاستغراب حيث كان الحديث أشبه بضوء منارة يومض ولخبو، فمثلاً قد يضطرهما مرور أحد أعضاء الحزب بزيّه الرسمي أو اقترابهما من شاشة رصد إلى صمت مفاجئ ومطبق ثم يستأنفان حديثهما بعد دقائق قليلة مبتدئين من وسط جملة كانا قد قطعا حديثهما عندها. ثم فجأة يمسكان عن الحديث عندما يفترقان في المكان المتفق عليه ليواصلا ما انقطع من حديث في اليوم التالي دون مقدمات ومن حيث انتهيا. وبدا أن جوليا متمرسة تماماً على ذلك النوع من الحديث والذي كانت تسميه «الحديث بالتقسيط»، كما أنها كانت تتمتع ببراعة فائقة في التحدث دون أن تحرك شفتيها، ولم يتمكنا إلا مرة واحدة خلال شهر من اللقاءات الليلية من تبادل قبلة وذلك عندما كانا يسيران في شارع جانبي يخيم عليه الصمت (كانت جوليا لا تتحدث مطلقاً إلا عندما تكون في شارع رئيسي، وعندما سمعا صوت زئير يصم الآذان، واهتزت الأرض من تحت أقدامهما، وعبق الجو، وكان ونستون ممدداً على الأرض وقد أثخنته الجراح وانتابته حالة من الهلع، لا بد أن قذيفة صاروخية قد سقطت بالقرب منهما. وفجأة لم يشعر إلا ووجه جوليا لا يفصله إلا بضعة سنتيمترات عن وجهه. وكان وجهاً شاحباً شحوب الموتى حتى إن شفتيها الحمراوان اصطبغتا باللون الشاحب نفسه، وظن أنها لقيت حتفها فضمّها إليه وحينما جعل يقبّلها تبيّن له أنه يقبل وجهاً حياً دافئاً. لكن بعضاً من مادة غبارية حالت بين تلاثم شفاههما إذ كان كلا الوجهين مغطيين بطبقة من الملاط.
وكان يحدث في بعض المرات أن يبلغا مكان اللقاء ثم يضطران إلى المرور ببعضهما دون أن يتبادلا ولو إشارة، وذلك إما لأن إحدى الدوريات قد ظهرت في المكان أو لأن حوامة أخذت تحلق فوق الرؤوس. وحتى لو كانت لقاءاتهما لا تنطوي على مثل هذه الأخطار، فقد كان يتعذر عليهما أن يجدا وقت فراغ يلتقيان فيه، لأن ونستون كان يعمل ستين ساعة أسبوعياً في حين كانت جوليا تعمل أكثر من ذلك، كما كانت أيام عطلاتهما تتباين حسب ضغوط العمل ونادراً ما تتوافق. وفي كل الأحوال كان من النادر أن تحصل جوليا على أمسية خالية تماماً من الواجبات لأنها كانت تمضي وقتاً طويلاً للغاية في الاستماع للمحاضرات، والمشاركة في التظاهرات، وتوزيع المنشورات الخاصة برابطة الشبيبة المناهض للجنس، وإعداد الرايات الخاصة بأسبوع الكراهية، وجباية الأموال لحملة الادخار وما شاكل ذلك من نشاطات. وكانت تقول في ذلك أنه يفيد كتمويه: «فإذا التزمت بصغائر القواعد يمكنك خرق كبائرها». ومن ثم فإنها حثت ونستون على أن يتطوع بأمسية أخرى يمضيها في إعداد الذخائر وهو ما كان يضطلع به أعضاء الحزب شديدو الحماس. وهكذا كان ونستون يمضي أمسية من كل أسبوع، أربع ساعات من الملل القاتل في تجميع قطع معدنية صغيرة ربما كانت فتائل قنابل في ورشة باردة وسيئة الإضاءة حيث تختلط طَرَقات المطارق، على نحو باعث على الكآبة، بالموسيقى المنبعثة من شاشات الرصد.
وعندما التقيا في برج الكنيسة كان حديثهما المتقطع يتصل بعد وصل ما تخلله من فجوات. وقد حدث ذلك في ظهيرة يوم قائظ ملتهب حيث كان الهواء في الغرفة المربعة الصغيرة التي تعلو الأجراس راكداً وحاراً وتفوح منه رائحة نفاذة لروث الحمام. وقد جلسا لساعات يتحدثان فوق أرضية الغرفة المغطاة بالغبار وبأوراق الشجر المتساقطة، ومن حين لآخر كان ينهض أحدهما ليلقي نظرة عبر ثقوب الغرفة كي يتأكد من عدم قدوم أحد.
كانت جوليا في السادسة والعشرين من عمرها، وكانت تعيش مع ثلاثين فتاة أخرى في نزل. (وكان لديها مقولة تكررها: دائماً في مستنقع النساء! لَكَم أكره النساء). كانت تعمل، كما كان يظن، على آلات كتابة الروايات في قسم الخيال وتستمتع بعملها الذي يقوم أساساً على إدارة وتشغيل محرك كهربائي قوي. وبالرغم من أنها لم تكن «بارعة»، فإنها كانت مغرمة باستعمال يديها وتشعر بالارتياح كلما وقفت أمام الآلة، وكان بوسعها أن تصف المراحل التي تمر بها عملية تأليف رواية ابتداء بالتوجيه العام الذي تصدره لجنة التخطيط وانتهاء باللمسات الأخيرة التي تضعها الفرقة المنوط بها إعادة الكتابة. غير أن جوليا لم تكن تهتم كثيراً بشكل المنتج النهائي إذ كانت تقول إنها لا تأبه كثيراً بالقراءة، فالكتب في نظرها ليست سوى سلعة يتم إنتاجها مثلها مثل المربى وأربطة النعال.
لم يكن لديها ذكريات عما قبل الستينات، وكان الشخص الوحيد الذي أتيح لها أن تعرفه وكثيراً ما يتحدث عن أيام ما قبل الثورة هو جدّها الذي اختفى عندما كانت هي في الثامنة. وفي المدرسة كانت قائدة فريق الهوكي، وفازت بميدالية ألعاب الجمباز لدورتين متتاليتين. كما كانت قائدة فريق (في اتحاد الجواسيس) وأمينة سر أحد فروع رابطة الشبيبة قبل أن تلتحق برابطة الشبيبة المناهضة للجنس. لقد كانت دائماً تتمتع بشخصية ممتازة، بل إنها اختيرت (وهي علامة أكيدة تدل على السمعة الطيبة) لكي تعمل في أحد الأقسام الداخلية لقسم الخيال الذي كان ينتج روايات إباحية للعامة. وكان العاملون في هذا القسم ينعتونه بـ (ماك هاوس). ولقد أمضت فيه سنة حيث كانت تساعد في إنتاج كتيبات مغلفة ومختومة تحمل عناوين مثل (قصص مثيرة) أو (ليلة واحدة في مدرسة البنات) تسوّق بين شباب العامة في الخفاء فيبتاعونها باعتبارها من المحظورات التي حصلوا عليها.
سألها ونستون بفضول: «وعلام تحتوي هذه الكتب؟»
- تفاهات مقززة. إنها في الحقيقة تبعث على الملل. فهي جميعها تقوم على ست حبكات فقط تدور حولها ولكنهم يحوّرونها قليلاً في كل مرة. بالطبع أنا لم ألتحق بفريق إعادة الكتابة أبدأ، فدوري يقتصر على العمل على المكشاف (الكلايدسكوب) كلما أنني لست أديبة يا عزيزي ولا حتى مؤهلة لذلك.
عرف ونستون وملؤه الدهشة أن جميع العاملين في هذا القسم، ما عدا رئيسه، من الفتيات. والفكرة كانت أن الرجال أقل قدرة على كبح غرائزهم الجنسية من النساء، ومن ثم كانت المواد التي يتعاملون معها تجعل الرجل أكثر عرضة للفساد.
وأضافت قائلة: «إنهم حتى لا يحبذون وجود المتزوجات من النساء ضمن القسم، فهم يفترضون أن الفتيات دائماً عفيفات. ولكن أمامك الآن تقف واحدة منهن».
في السادسة عشرة أقامت جوليا أول علاقة لها، وكانت مع عضو من أعضاء الحزب في الستين من عمره، وانتحر لاحقا ليتجنب القبض عليه. وأضافت: «قد أسدى لي بذلك صنيعاً طيباً وإلا لكانوا قد انتزعوا اسمي منه فيما سيدلي به من اعترافات». ومن ذاك الحين عرفت الكثيرين غيره، فقد كانت الحياة من وجهة نظرها بسيطة للغاية، فالمرء يود لو يمضي أوقاتاً طيبة بينما، هم، وتعني الحزب، يريدون لو يحولوا دون ذلك. ولذا فإن المرء يلجأ لخرق هذه القواعد قدر استطاعته. وبدا أنها تعتقد أن من الطبيعي أنهم يريدون أن يسلبوك ملذاتك بقدر ما هو من الطبيعي أن يحاول المرء الإفلات من قبضتهم. وكانت تكن كرهاً للحزب ولا تتردد في التعبير عن ذلك بأشنع الكلمات. لكنها لم تكن توجه له انتقادات تعميمية إلا حينما يمس الأمر حياتها الشخصية فساعتئذ لم تكن تأبه مطلقاً بعقيدة الحزب. ولاحظ ونستون أنها لا تستعمل مطلقا أياً من مفردات اللغة الجديدة ما عدا تلك المتداولة في الاستخدام اليومي للغة. فمثلاً لم تسمع مطلقاً بما يسمّى «الأخوة» بل وأنكرت وجودها. وكانت ترى أن أي شكل من أشكال الثورة المنظمة ضد الحزب محكوم عليه بالفشل ولا يقوم به سوى الأغبياء والحمقى، وأما الحذاقة في نظرها فهي أن يخرق المرء القواعد ويظل على قيد الحياة بعد ذلك. وتساءل ونستون في نفسه عن عدد الذين يفكرون على شاكلتها من الجيل الأصغر، إنهم أناس تربّوا في عهد الثورة ولم يعرفوا عهداً سواه، حيث يسلّمون بالحزب كما لو كان قدراً مقدّراً لا يتغير مثله مثل المساء، فلا يتمردون على سلطته وأقصى ما يتجرّأون عليه هو أن يروغوا منه كما يروغ الأرنب من الكلب.
ولم يتطرقا في حديثهما إلى إمكانية زواجهما، فقد كان ذلك أمراً صعب المنال ويجب حتى عدم التفكير فيه. إذ لا يمكن حتى تخيل فكرة أن تسمح اللجنة المعنية بمثل هذا الزواج وحتى لو أمكن التخلص من كاترين، زوجته السابقة، بطريقة ما، فإن زواجهما كان سيظل أمراً مقطوعاً منه الرجاء تماما كحلم يقظة.
وسألته جوليا: «كيف كانت زوجتك؟»
فأجابها: «إنها كانت... هل تعرفين كلمة «التفكير الصالح» في اللغة الجديدة؟ والتي تشير إلى الولاء الحق الذي يكنه شخص للحزب بل وعدم قدرته على التفكير الطالح».
- كلا لم تمرّ عليّ هذه الكلمة، ولكني على دراية جيدة بمثل هذا النمط من الأشخاص.
وبدأ ونستون يروي لها حكاية زواجه وكانت دهشته شديدة حينما استبان له أنها على علم بتفاصيلها الرئيسية بالفعل، إذ أمسكت بزمام الحديث بدلاً عنه وأخذت تصف له، كما لو كانت قد رأت جسد كاترين أو تحسسته، كيف أنه يتيبس بمجرد ملامسته لها وكيف أنها تدفعه عنها بكل ما أوتيت من قوة حتى حينما تكون ذراعاها تطوقان عنقه. ولم يجد ونستون غضاضة في الحديث عن مثل هده الأمور مع جوليا. فعلى أي حال لم تعد كاترين وذكراها تقض مضجعه منذ زمن طويل إذ غدت مجرد ذكرى بغيضة على نفسه.
قال لها: «لقد كان في استطاعتي احتمالها لولا شيء واحد»، وأخبرها عن ذلك الطقس الذي كانت كاترين ترغمه على ممارسته في الليلة نفسها من كل أسبوع. وأضاف: «لقد كانت تمقت هذا الطقس ولكن لم يكن لأي شيء في الوجود أن يجعلها تكفّ عنه. لقد دأبت على تسميته...، هل لك أن تخمني؟»
قالت جوليا: «أواجبنا إزاء الحزب».
قال لها: «وكيف عرفت ذلك؟»
- لقد كنت في المدرسة يا عزيزي حيث يتلقى من هم فوق السادسة عشرة درساً في الجنس مرة في الشهر. أما داخل حركة الشبيبة فهم يغرسونه فينا غرساً على مدى سنوات، بل وأجرؤ على القول إن ذلك كان يترك تأثيراً عميقاً لدى كثير من الفتيات ولكن لا أحد يمكنه التصريح بذلك فالناس مراؤون جداً فيما يتصل بذلك.
وراحت جوليا تسترسل حول الموضوع. فمع جوليا كل شيء يرتبط بغريزتها الجنسية، فحالما يلامس أحد هذه الغريزة فإنها تصبح حادة الذكاء. وهي خلافاً لونستون كانت قد فطنت إلى المعنى الباطني للطهر الجنسي الذي يحث عليه الحزب. فهذه الغريزة لا تني توجد عالماً خاصاً بها خارج سلطان الحزب، ومن ثم كان يتعين استئصالها إذا أمكن، بل الأهم من ذلك أن الحرمان الجنسي يفضي بعضو الحزب إلى حالة من الهستيريا، وهو أمر مرغوب فيه حيث يمكن تحويله إلى نوع من حُمّى الحرب وعبادة الزعيم. وقد بسطت فكرتها على النحو الآتي:
«عندما يمارس المرء الجنس فإنه يستنفد قواه ويستشعر نوعاً من اللذة تجعله لا يأبه بعدها بشيء. وهم لا يرغبون في ذلك، لأنهم يريدونك أن تكون شعلة من النشاط طوال الوقت. وليست كل هذه المسيرات التي لا تهدأ وما يصحبها من هتافات وتلويح بالرايات إلا تنفيساً لطاقة جنسية مكبوتة. فلو كان المرء مبتهجاً في قرارة نفسه فما الذي يدفعه للاهتمام بالأخ الكبير وبالخطط الثلاثية ودقيقتي الكراهية والبقية الباقية من ترهاتهم اللعينة».
واعتبر ونستون أن ما قالته جوليا صحيحٌ، فثمة صلة وثيقة ومباشرة بين إجبار المرء لنفسه على العقة وبين ولائه السياسي. إذ كيف يتسنى للحزب ضبط مستوى الخوف والكراهية والتصديق المطلق لدى أعضائه عند الحد المطلوب، إلا من خلال الضبط القسري لبعض الغرائز القوية لاستخدامها فيما بعد كقوة دافعة؟ ولأن الحافز الجنسي كان مصدر خطر على الحزب فقد كان يُخوّل لمصلحته، وكذلك كانوا يلعبون لعبة مماثلة مع غريزة الأبوة والأمومة، فمع أن مفهوم الأسرة ظل قائماً، وظل يتم تشجيع الآباء والأمهات على إبداء حبهم لأطفالهم بالطريقة نفسها المتبعة في العهد القديم تقريباً، فإن الأطفال على الجانب الأخر كان يتم تحويلهم، وبطريقة ممنهجة، للعمل ضد آبائهم كما يُدَرَّبون على التجسس عليهم والإبلاغ عن أي انحرافات تظهر. وهكذا أصبحت الأسرة امتداداً لشرطة الفكر، ووسيلة لضرب نوع من الحصار حول كل فرد بواسطة عملاء يحصون عليه كل حركاته وسكناته ليلاً نهاراً.
وعلى نحو مفاجئ عاود التفكير في كاترين والتي كانت ولا ريب ستشي به إلى شرطة الفكر لولا أنها كانت من الغباء إلى حدّ يجعلها لا تدرك الانحرافات الحاصلة في آرائه عن عقيدة الحزب، لكن الشيء الذي جعلها تخطر بباله حقيقة هو حرارة الجو الخانقة في ذلك التوقيت والتي جعلت العرق يتفصّد من جبينه، فبدأ يخبر جوليا عن شيء قد حدث، أو بالأحرى لم يحدث في ظهيرة صيف أخرى شديدة القيظ منذ إحدى عشرة سنة.
كان ذلك بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من زواجه، حينما ضلا طريقهما أثناء رحلة جماعية في مقاطعة «كنت»، ولم يتخلفا عن الأخرين سوى دقيقتين إذ سلكا منعطفاً خاطئًا، وفي الحال وجدا نفسيهما عند جرف لمحجر طباشير قديم بلغ ارتفاعه ما بين عشرة أو عشرين متراً وفي القاع كانت تتراكم كتل من الصخور. وقد ضلّا طريقهما، وحالما أدركا ذلك بدت كاترين شديدة الانزعاج، فقد كان مجرد بُعدها عن الضجيج المنبعث من أصوات الرفاق كفيلاً بأن يشعرها بأنها قد اقترفت إثماً. وكانت تريد العودة سريعاً من الطريق الذي سلكاه خطأً ثم تبدأ البحث في الاتجاه الآخر. بيد أنه في هذه اللحظة استرعى انتباه ونستون بعض الزهور التي تنمو وسط شقوق الجرف الذي تحتهما. وكان بعضها ذا لونين، رغم أنهما ينبتان من الجذر نفسه.
ولأن ونستون لم يكن قد رأى زهوراً كهذه من قبل، فقد صاح: «انظري كاترين! انظري إلى هذه الزهور. تلك التي تنمو قرب القاع. إنها ذات لونين مختلفين؟»
كانت كاترين قد ولت وجهها نحو طريق العودة، ولكنها اضطرت مغتاظة أن تعود. وانحنت برأسها فوق حافة الجرف لتنظر إلى حيث يشير، كان ونستون يقف خلفها على بعد مسافة قليلة منها وقد وضع يده حول خصرها خشية أن تفقد توازنها. وفي هذه اللحظة خطرت بباله فجأة فكرة أنهما وحيدان تماما؛ فما من مخلوق بشري حولهما وما من ورقة شجر تهتز بل ولا طائر يرفرف بجناحيه. وفي مكان كهذا المكان كان احتمال وجود ميكروفون مخبأ احتمالاً جد ضئيل، وحتى لو وُجد ميكروفون فإنه لن يلتقط إلا الصوت. لقد كانت تلك الساعة أشد ساعات الظهيرة قيظاً وأكثرها إغراءً للنوم، حيث كانا يصطليان تحت أشعة الشمس، وتتصبب حبات العرق على وجه ونستون. وسرعان ما خطرت له الفكرة....
سألته جوليا: «ولماذا لم تُلقِ بها من فوق الجرف؟ لو كنت مكانك لفعلت».
فقال: «نعم عزيزتي كنت ستفعلين. بل إنني كنت سأفعل، أو ربما كنت سأفعل، ذلك أيضاً لو أنني كنت على ما أنا عليه الآن. إنني لست متأكداً على أية حال».
- هل أنت آسف على أنك لم تفعل؟
- اجل، إجمالاً أنا آسف.
كانا يجلسان جنباً إلى جنب على الأرض المغطاة بالغبار فجذبها إليه وضمها ثم أراح رأسها على كتفه فتغلبت رائحة شعرها الجميلة على رائحة روث الحمام. كانت في ميعة الصبا ولا تزال تنتظر الكثير من الحياة، بيد أنها لم تدرك أن دفع شخص بغيض من فوق جرف والتخلص منه لن يحل المشكلة.
قال: «الواقع أن ذلك لم يكن ليغير من الأمر شيئاً».
قالت جوليا: «علام إذن الأسف لأنك لم تتخلص منها؟»
قال: «لأنني أفضّل الإيجابي على السلبي، ففي هذه اللعبة التي نلعبها ليس في استطاعتنا أن نفوز، إذ كل ما في الأمر أن بعض الفشل أهون من بعض».
وحينذاك أحس بارتعاشة سرت في كتفيها كدلالة على عدم موافقتها، إذ كانت تعارضه دائماً كلما تفوه بأشياء من هذا القبيل. فهي لا تسلّم إطلاقاً بفكرة أن قانون الطبيعة يحكم على الفرد دائماً بالهزيمة. وبطريقة ما كانت تعلم أن مصيرها إلى زوال، ذاك أن شرطة الفكر، إن عاجلاً أو آجلاً، ستلقي القبض عليها وتزيلها من الوجود. لكنها من وجهة نظر أخرى كانت تؤمن أنه من الممكن، بشكل من الأشكال، إقامة عالم يعيش في الخفاء ويمكنك العيش فيه حسبما تشاء وتختار. وكل ما تحتاج إليه لتحقيق ذلك العالم هو حظ ودهاء وجرأة. بيد أنها لم تدرك أنه ليس ثمة ما يسمى بالسعادة، وأن النصر الوحيد الذي يمكن تحقيقه قابع في المستقبل البعيد الذي سياتي بعد موتك بأمد طويل، كما لم تكن تدرك أنه يجدر بالمرء أن يعتبر نفسه جثة بلا روح منذ اللحظة التي يعلن فيها الحرب على الحزب.
علّق: «إننا في عداد الموتى».
فقالت جوليا بإصرار: «إننا لم نمت بعد».
قال: «أوافقك أننا لم نمت جسدياً. لكن بعد ستة أشهر، سنة، خمس سنوات حسبما أتصور سنكون من الموتى. إنني أخاف الموت، وأنتِ أصغر مني سنًا وربما تخافين الموت أكثر مني. لا ريب أننا سنحاول إرجاء قدومه قدر المستطاع، وإن كان ذلك لن يغير من حقيقة الأمر شيئا، فما دام الإنسان هو الإنسان فإن الموت والحياة لديه يصبحان وجهين لعملة واحدة».
قالت جوليا: «إن هذا لهراء. ترى مع أي منا تحب ان تنام الآن، معي أم مع هيكل عظمي؟ ألا تستمتع بكونك على قيد الحياة؟ ألا تحب أن تتحسسني؟ ها أنا ذا، وهذه يدي، وهذه ساقي، أنا حقيقية، أنا موجودة، إنني حية! ألا تحب هذا؟»
ودنت منه لتضغط بصدرها على صدره. أحسّ نهديها ناضجين وبارزين من خلال معطفها. وبدا جسدها كما لو كان يصبّ بعضاً من عنفوانها وحيويتها في جسده.
فأجاب: «بلى، أحب ذلك».
قالت: «إذن كف عن ذكر الموت. والآن أصغِ إليّ عزيزي، علينا أن نتفق على موعد لقائنا القادم، يمكننا أن نعود إلى مكاننا في الغاب، فقد غبنا عنه فترة طويلة، ولكن يجب علينا أن نسلك طريقاً آخر هذه المرة. لقد حددت كل شيء. استقل القطار... لكن انظر، سأرسمه لك»

وبطريقتها العملية مسحت جزءاً صغيرًا من الأرض المغطاة بالغبار، واستلّت ريشة من عش حمام وراحت ترسم خريطة الطريق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق