الفصل الثاني
وجد
ونستون نفسه يسير عبر ممر يخيم عليه الظل حيناً ويغمره الضوء حيناً آخر، وكان
عندما يسرع الخطى تزل به قدمه في برك من الماء أكسبتها أشعة الشمس المتسربة من
خلال أغصان الأشجار لوناً ذهبياً. وكانت الأرض تحت الأشجار التي عن يساره تكتسي
بزهور زرقاء تشبه الجرس في تكوينها. وكان يبدو أن الهواء يداعب الوجوه، لِمَ لا
واليوم هو الثاني من أيار. ومن مكان ما في قلب الغابة كان ينبعث هديل الحمام.
كان
ونستون قد وصل إلى مكان اللقاء قبل الموعد المضروب دون أن تواجهه أي صعوبات أثناء
الطريق. إذ يبدو أن الفتاة كانت ذات خبرة واسعة تجعلها موضع ثقة في تخيّر الأماكن
الآمنة، حتى إن الفزع الذي اعتراه في أثناء رحلته كان أقل مما يكون عليه في
المعتاد. ومع ذلك ليس للمرء أن يحسب أنه أكثر أماناً في الريف مما هو في لندن. نعم
يخلو الريف من شاشات الرصد، بيد أن خطراً آخر يكمن فيه ألا وهو الميكروفونات
المخبأة عن العيون والتي يمكنها التقاط صوتك وتمييزه، فضلاً عن أنه لم يكن من
السهل أن تقوم برحلة بمفردك دون أن تلفت إليك الأنظار. وبالرغم من أنه لم يكن من
الضروري أن تحصل على جواز مرور ما دامت رحلتك لا تتجاوز المئة كيلو متر. ولكن
محطات السكك الحديدية تكون أحياناً مرتعاً لرجال الدورية، فإذا ما صافَدت هنالك
أحد أعضاء الحزب فإنها تستوقفه لفحص أوراقه واستجوابه بأسئلة محرجة. غير أنه لم
تعترض ونستون في رحلته أي دوريات، ومع ذلك كان وهو في طريقه من المحطة يأخذ جانب
الحذر ويتلفت خلفه مرة تلو أخرى خشية أن يكون ثمة من يقتفي أثره. كان القطار
مزدحما بالعامة الذين تخيم عليهم أجواء الانتعاش المصاحبة للعطلة في طقس صيفي
لطيف. وكانت العربة ذات المقاعد الخشبية التي استقلها ونستون تغص بأسرة واحدة
كبيرة العدد تراوح أعمار أفرادها ما بين جدة طاعنة في السن وطفل رضيع ابن شهر
واحد. كانت هذه الأسرة ذاهبة لقضاء بعض الوقت لدى بعض أصهارهم في الريف وأيضاً،
وحسبما عبّروا بصراحة لونستون، الحصول على قليل من الزبد من السوق السوداء.
اتسع
الممر، وما هي إلا دقيقة حتى وجد ونستون نفسه أمام الطريق الذي حدثته عنه الفتاة.
وكان مجرد طريق للماشية يمتد بين شجيرات قصيرة. لم يكن ونستون يحمل ساعة ولكنه كان
يقدّر أن الوقت لم يبلغ الثالثة مساء بعد. وكانت الزهور الزرقاء التي تشبه الأجراس
تكسو الأرض بشكل كثيف للغاية إلى حد يستحيل معه ألا يطأها المرء بقدميه. ركع
ونستون على ركبتيه وجعل يقطف بعضها ليقتل الوقت من ناحية ولأنه من ناحية أخرى كانت
تراوده فكرة غامضة وهي أن يقدم للفتاة باقة من الزهور لحظة لقائه بها. وكان ونستون
قد جمع باقة كبيرة وراح يشم رائحتها الزكية عندما أتاه صوت من ورائه جمد الدم في
عروقه. كان الصوت صوت وقع أقدام تطأ الحشائش. ولكنه تجاهله وواصل قطف الزهور غير
مكترث إذ ارتأى أن ذلك هو أفضل ما يمكنه عمله. وراح يفكر فيمن يكون هدا القادم،
ربما كانت الفتاة وربما كان شخصاً آخر يتعقب خطاه. ولأن تلفته حواليه كان من شأنه
أن يثير الشكوك حوله، فقد راح يقطف زهرة تلو أخرى حتى أحس بيد تربت على كتفه برقة.
رفع وجهه
فإذا بالفتاة أمام عينيه. وأشارت إليه محذرة من أن يتفوه بكلمة، ثم شقت طريقها عبر
الشجيرات لتنفذ إلى داخل الغابة عبر ممر ضيق. لم يكن ثمة شك في أنها سارت في هذا
الممر من قبل، إذ كانت تروغ من البقع الموحلة كما لو كانت تفعل ذلك بحكم الأُلف
والعادة. وتبعها ونستون وهو ما يزال يقبض على باقة الزهور. في البدء شعر ونستون
بالارتياح، بيد أن مراقبته لهذا القوام الممشوق القوي وهو يتبختر أمام عينيه وقد
شد على الخصر ذلك الزنار القرمزي شدًا يبرز مفاتن الردفين قد كرست لديه الشعور
بالدونية وخيل إليه أنها ربما تراجع نفسها في ما هي مقدمة عليه إن هي استدارت
ونظرت إليه. لكن عذوبة الهواء وخضرة أوراق الربيع كانتا قد ملأتاه رهبة. وكانت شمس
أيار في المسافة التي قطعها من المحطة قد أثارت لديه شعوراً بالخجل من قذارته
وشحوبه، كمخلوق لا يرى الشمس، وقد انسدّت مسام جلده بفعل سخام لندن الذي يكسوها.
وتنبه إلى أن الفتاة ربما لم تره حتى الآن في وضح النهار حيث الضوء الساطع. وبلغا
الشجرة المتداعية التي حدثته عنها فتجاوزتها الفتاة وشقت لنفسها طريقاً بين
الشجيرات التي بدت مسدودة، وسار ونستون في أثرها، وسرعان ما وجد أنهما يقفان في
مرجة من العشب الأخضر الصغير تحيط بها أشجار وارفة الظلال تحجب الرؤية. هنا توقفت
الفتاة ثم التفتت قائلة:
- ها نحن
قد وصلنا.
وقف
محدّقاً فيها تاركاً بينه وبينها خطوات، فهو لم يجرؤ على الاقتراب منها لأكثر من
ذلك.
واستطردت
تقول: «لم أشأ أن أحدثك بشيء ونحن في الطريق خشية أن يكون ثمة ميكروفون مخبآ في
مكان ما. وإن كنت أعتقد أن ليس هناك شيء من ذلك ولكن يجب أخذ الحيطة على أي حال،
فاحتمال التقاط صوتك وتمييزه من قبل أحد الأوغاد يظل احتمالاً قائماً على الدوام.
أمّا هنا فنحن في أمان.
ولم يجد
ونستون في نفسه من الشجاعة ما يكفي ليتجرّأ به على الدنو منها حتى الآن.
فجعل يردد
عبارتها في غباء: «هنا نحن في أمان».
«أجل..
انظر حولك إلى الأشجار.»
كانت
أشجار دردار صغيرة قُطعت في يوم من الأيام ثم عادت فنبتت من جديد مكوّنة غابة من
القضبان التي لا تزيد سماكة واحدها على سماكة معصم اليد. وأضافت الفتاة: «لا توجد
أشجار كبيرة يمكن إخفاء ميكروفون فيها. عدا عن ذلك فقد جئت إلى هذه البقعة من
قبل».
كان ذلك
تمهيدا لبدء حديثهما. وتغلّب ونستون على ما تملّكه من رهبة ودنا منها. كانت تقف
أمامه منتصبة القامة وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة ومفعمة بالسخرية وكأنها
تتساءل عن سبب إحجامه عن أي فعل حتى الآن. وهنا حدث أن سقطت باقة الزهور التي بين
يديه أرضاً وبدا أنها قد سقطت من تلقاء نفسها، فأمسك بيدها وقال: «أوَ تصدقين لو
قلت لك إنني لم أعرف لون عينيك حتى الآن؟» ولاحظ للتو أنهما بنّيتان أو بالأحرى
فيهما ظلال بنية خفيفة أما أهدابهما فكانت سوداء. وسألها: «أمّا وقد رأيتني في وضح
النهار، فهل ما زلت تحتملين النظر إلى وجهي؟»
- أجل
بسهولة.
- إنني في
التاسعة والثلاثين من عمري، ومقترن بزوجة لا أستطيع التخلص منها وأعاني من الدوالي
ولي خمسة أسنان اصطناعية.
فقالت
الفتاة: «إن هذا لن يقلل من اهتمامي بك».
وفي
اللحظة التالية، ودون أن يدري مَن منهما بادر بذلك، كانت الفتاة بين ذراعيه. في
البداية لم يكن ونستون يصدق ما يجري. فها هو الجسد الغض مشدودٌ على جسده، والشعر
الأسود يغطي صفحة وجهه، ورفعت الفتاة وجهها فأخذ يمطر شفتيها الحمراوان بالقبلات،
وأحاطت عنقه بذراعيها وهي تناديه بمعسول الكلمات. جذبها إلى الأرض فلم تُبدِ أي
مقاومة، فكان باستطاعته أن يفعل بها ما يحلو له. لكن الحقيقة أنه لم يكن لديه أي
رغبة جسدية تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التماس بينهما. فقد استولت عليه مشاعر
الزهو وعدم التصديق. كان مسروراً بما يحدث لكنه لم يكن يشعر بأية رغبة جسدية. لقد
حدث كل شيء بسرعة خاطفة إلى حد أن شبابها وجمالها قد أرهباه، بعد أن كان قد أَلِفَ
العيش بدون نساء - وهو يجهل سبب ذلك. وقامت الفتاة عن الأرض واستلّت زهرة من
شعرها، وجلست ملاصقة له وهي تلف ذراعها حول خصره وقالت:
«هدئ من
روعك يا عزيزي. لسنا في عجلة من أمرنا. وما زال لدينا متسع من الوقت. ألا ترى أن
هذه الخلوة رائعة. لقد اكتشفتها عندما ضللت طريقي ذات مرة في إحدى الرحلات
الجماعية. ولو جاء أحدهم لأمكننا سماع وقع خطاه وهو على بعد مائة متر.»
سألها
ونستون: «ما اسمك؟»
فأجابت:
«جوليا. إنني أعرف اسمك، إنك ونستون! ونستون سميث».
- وكيف
تسنّى لكِ معرفة ذلك؟
- أظن
أنني أبرع منك في اكتشاف الأشياء يا عزيزي. هل أخبرتني بمشاعرك نحوي قبل أن أعطيك
الرسالة في ذلك اليوم؟
لم يشعر
ونستون بأي دافع للكذب عليها، وكان يعتقد أن أفضل بداية لحبهما هو أن يفضي إليها
بأسوأ ما كان يكن لها.
فأجاب:
«كنت أكره مجرد رؤيتك، وراودتني كثيراً الرغبة في اغتصابك ثم قتلك بعد ذلك. بل
ومنذ أسبوعين كنت أفكر جدّياً في تحطيم رأسك بحجر. وإذا كنت تودين معرفة السبب،
فقد ظننت أن بينك وبين شرطة الفكر رباط ما».
ضحكت
الفتاة مبتهجة، إذ اعتبرت ذلك ثناء على براعتها في التخفي.
وقالت:
«هل حقاً ظننت أنني أعمل مع شرطة الفكر؟ أوكنت جاداً في ذلك الظن؟»
فأجاب:
«قد لا يكون ذلك بالضبط. ولكن مظهرك العام وكونك في ريعان شبابك ومتعافية وجميلة،
جعلني أظن أن ذلك محتمل... »
قالت:
«إذن كنت تظن أنني عضوة بالحزب وصادقة في قولي وفعلي. ولعلك اعتقدت أنني من الذين
يشاركون في حمل الأعلام وترديد الشعارات والسير في المسيرات والخروج في الرحلات
الجماعية وكل ما شابه ذلك. وظننت أنه لو سنحت لي أدنى فرصة للوشاية بك كمجرم فكر
لفعلت ذلك حتى يقتلوك؟»
- نعم لقد
خامرتني أشياء من هذا القبيل. فكما تعلمين هناك فتيات كثيرات يقدمن على ذلك.
فقالت وهي
تخلع الزنار القرمزي، شعار اتحاد الشبيبة المناهض للجنس وتعلقه على غصن شجرة:
«إنها شرطة الفكر اللعينة هي التي تبث هذا الانطباع ». بعدئذ، وكما لو أن ملامستها
لخصرها قد ذكرتها بشيء ما، تحسست جيب معطفها وأخرجت منه قطعة شوكولا وقسمتها شطرين
وأعطت ونستون أحدهما. وقبل أن يمد يده أدرك من رائحتها أنها من نوع غير عادي، فقد
كانت ذات لون غامق ولامع وملفوفة بورق فضي. فالشوكولا التي يعرفها كانت ذات لون
بني كئيب ومتفتتة وكان طعمها أشبه ما يكون بطعم الدخان المنبعث من حرائق أكوام
القمامة. ومع ذلك فقد كان من حين لأخر يتذوق شوكولا مثل تلك الشوكولا. ولقد أهاجت
من رائحتها ذكرى لم يستطع أن يستحضرها رغم كونها قوية ومربكة.
سألها:
«من أين لك هذا؟»
فأجابت
غير عابئة: «من السوق السوداء». ثم استطردت: «إنني من الفتيات اللواتي يلفتن إليهن
الأنظار. إنني رياضية. كما أنني كنت قائدة زمرة في منظمة الجواسيس. وكنت أقوم
بثلاث مهمات تطوعية كل أسبوع ضمن اتحاد الشبيبة المناهض للجنس. لقد كنت أمضي
الساعات تلو الساعات أجوب أنحاء لندن لألصق ملصقاتهم اللعينة، وفي المواكب كنت
دائماً أحمل طرفاً من الراية، وكانت مشاعر البهجة بادية على محياي دائماً ولم يحدث
أن تهربت يوماً من شيء يُسْنَد إلي، وأشارك الجماهير في هتافها. إن هذه وحدها هي
طريق السلامة».
وذابت أول
قضمة من الشوكولا على لسان ونستون. كان الطعم لذيذاً. لكن ثمة ذكرى ظلت تتحرك في
أطراف وعيه، ذكرى شيء يستشعره بقوة دون أن يستطيع قولبته في شكل محدد تماماً مثل
جسم يراه المرء بطرف عينيه. وكان يحاول أن يطردها عنه وهو يعي أنها ذكرى شيء ما
ودّ لو لم يفعله لكنه لم يستطع ذلك.
قال لها:
«إنك لا تزالين في مقتبل عمرك. فأنت أصغر مني بعشر أو خمس عشرة سنة. فما الذي
أعجبك في رجل مثلي؟ "
ردت
قائلة: «إنه شيء ما في وجهك شجعني على خوض المغامرة. إنني ماهرة في اكتشاف الأشخاص
الذين لا انتماء لهم. فما إن رأيتك حتى أيقنت أنك ضدهم».
وأدرك
ونستون أنها تعني الحزب بقولها (ضدهم)، وبالأخص قيادة الحزب التي كان حديثها عنها
ينم عن كراهية ممزوجة بالسخرية، وهذا ما جعل ونستون يشعر بالقلق رغم علمه بأنهما
أكثر أماناً في هذا المكان من أي مكان آخر. بيد أن ما أدهشه هو خشونة عبارتها. فقد
كان من المفترض أن أعضاء الحزب لا يتلفظون بالسباب، حتى إلى ونستون نفسه كان
نادراً ما يفعل ذلك بصوت عال على الأقل. أما جوليا فقد بدا أنها لا تستطيع أن تأتي
على ذكر الحزب، وعلى الأخص قيادة الحزب، دون أن تستخدم ذلك اللون من الكلمات التي
تُرى مرسومة بالطباشير على جدران الأزقة الضيقة الفقيرة. ولم يستقبح ونستون منها
ذلك، فهذا علامة على ثورتها على الحزب وكل أساليبه، بل ويبدو دليلاً على العافية
والصحة، إنه أشبه بالحصان يعطس حين يشمّ رائحة دريس فاسد. كانا قد تركا تلك البقعة
الطبيعية وأخذا يجولان ثانية عبر الظلال المتقطعة وقد لف كل منهما ذراعه حول خصر
الآخر كلما كان بإمكانهما أن يسيرا جنباً إلى جنب. ولاحظ أن خصرها قد غدا أكثر
ليونة بعدما خلعت عنه الزنار القرمزي. كانا يتحدثان همساً. فخارج البقعة وحسبما
قالت جوليا، يحسن بهما أن يلتزما الهدوء. وكانا قد بلغا حافة الغابة الصغيرة
فاستوقفته قائلة:
- لا تخرج
إلى الأرض المكشوفة، فقد يكون هنالك شخص يترصدنا. إننا نظل في أمان ما دمنا وراء
أغصان الأشجار.
لقد كانا
يقفان تحت ظل شجيرات البندق بينما كانت أشعة الشمس المتسرّبة عبر أوراق الشجر
الغزيرة تلفح وجهيهما. وما إن نظر ونستون إلى الحقل الممتد وراء الغابة حتى أخذت
جسمه رجفة بطيئة وغريبة، فقد عرف هذا الحقل بمجرد أن وقع بصره عليه. كان مرعى
قديماً مغطى بالعشب ويتخلله ممشى، وتلال الخلد هنا وهناك. وعلى الجانب الآخر من
الحقل تدّلت أغصان أشجار الدردار متمايلة مع النسيم وتتحرك أوراقها ببطء وكثافة
وكأنها خصلات شعر امرأة. وفي مكان قريب، لكن خارج مجال النظر، لا بد أن هناك
جدولاً ذا برك خضراء تسبح فيها الأسماك؟
وهنا همس
متسائلاً: «ألا يوجد جدول ماء بالقرب من هنا؟»
- بلى،
ثمة جدول عند حافة الحقل التالي. إن فيه سمك كبير الحجم حتى ليمكنك أن تراه فوق
صفحة البرك يحرك ذيله أسفل أشجار الصفصاف.
فغمغم
قائلاً: «إنه الريف الذهبي، تقريباً».
- أي ريف
ذهبي ذلك؟
- لا شيء،
لكنه مشهد طبيعي كنت أراه أحياناً في الحلم.
وهمست
جوليا: «انظر!»
كان طائر
الحسُّون قد حط على غصن لا يبعد أكثر من خمسة أمتار عنهما وعلى مستوى وجهيهما
تقريباً. ويبدو أن الطائر لم يرهما، فقد كان هو في الشمس وكانا هما في الظل. نشر
الطائر جناحيه ثم أعادهما بعناية إلى وضعهما الأول، وخفض رأسه للحظة، كما لو كان
يؤدي فرضاً من فروض الطاعة والتبجيل للشمس، وأخذ يصدح بأغانيه. ووسط هدأة ما بعد
الظهيرة بدا أن الصوت قد جعل ونستون وجوليا يجفلان فاحتضن كل منهما الآخر مبهورين
بذلك الصوت العذب. وانسابت الموسيقى دقيقة تلو أخرى مع تنويعات تبعث على الدهشة،
فلم يكرر أي نغمة طوال ذلك وكأنما كان يتعمد استعراض براعته في الغناء. وكان
الطائر يتوقف لثوان أحياناً لينشر جناحيه ثم يضمّهما ثانية، ويملأ صدره بالهواء ثم
ينطلق في التغريد ثانية. كان ونستون يراقبه ولديه شيء من التبجيل الغامض. وتساءل
في نفسه ترى لمن كان الطائر يغرد ولماذا؟ لم يكن بجواره رفيق أو غريم. وما الذي
يجعله يحط على غصن من أغصان غابة مهجورة كهذه ويصدح بموسيقاه في العراء وما من أحد
يسمعه؟ وتساءل أيكون هنالك بعد كل هذا ميكروفون مخبأ في مكان ما على مقربة منهم؟
إنه وجوليا قد حرصا على أن يكون كلامهما همساً، ولن يستطيع الميكروفون التقاط ما
قالاه، لكنه حتماً سيلتقط تغريد الحسون. وربما ثمة رجل ضئيل الجسم أشبه بالخنفساء
عند الطرف الآخر من الميكروفون ينصت باهتمام إلى ذلك. بيد أنه وبالتدريج استطاع
فيض الموسيقى المنسابة أن يطرد كل الهواجس من ذهنه. وكان هذا الفيض أشبه بسائل
ينسكب فوق جسمه ممتزجاً بأشعة الشمس المتسربة عبر أوراق الشجر. وهنا توقف ونستون
عن التفكير مكتفياً بما يعتمل في داخله من أحاسيس. كان خصر الفتاة الذي يحيطه
بذراعيه ليناً ودافئاً. جذبها نحوه حتى صار صدره ملاصقاً لصدرها وأحس بجسدها يمتزج
بجسده. وأينما تحسست يداه كان جسدها مستسلماً كالماء. وتلاقت شفاههما بقبلات مختلفة
تمام الاختلاف عن تلك الجافة التي تبادلاها قبل ذلك. وعندما انفك دلك العناق وتنهد
كلاهما تنهيدة عميقة، جفل الطائر وفزع فأطلق لجناحيه العنان.
واقترب
ونستون من أذن جوليا وهمس: «الآن؟»
فهمست هي
أيضاً: «ليس ها هنا، هيا بنا إلى المخبأ فإنه أكثر أماناً».
ومع طقطقة
الأغصان تحت أقدامهما راحا يشقان طريقهما نحو الخلوة. وعندما دلفا إلى حلقة أشجار
الدردار استدارت نحوه وكان كلاهما يتنفس أنفاساً سريعة متلاحقة ولكن لم تلبث
الابتسامة أن ارتسمت على ثغر الفتاة من جديد. أخذت تتمعن في وجهه للحظة ثم تحسست
أزرار ثيابها. أجل! كان الموقف أشبه بما رآه في الحلم. فبسرعة كتلك التي تخيلها
نزعت عنها ثيابها وحينما طرحتها جانباً كان ذلك بالحركة الرائعة نفسها التي بدا
وكأنها تقوّض أركان حضارة بكاملها. وبدا جسدها ناصع البياض تحت ضوء الشمس، ولكنه
لم يتطلع إلى جسدها من فوره فقد كانت عيناه معلقتين بذلك الوجه الأنمش ذي
الابتسامة الخافتة الجريئة. ركع أمامها ثم أخذ بيدها بين يديه.
- هل
فعلتِ ذلك من قبل؟
- بالطبع
مئات المرات أو قل عشرات المرات.
- مع
أعضاء الحزب؟
- نعم،
دائماً مع أعضاء الحزب.
- مع
أعضاء القيادة الحزبية؟
- كلا،
ليس مع أولئك الأوغاد. لكن هناك كثيرين منهم تقتلهم الرغبة فيما لو سنحت لهم أدنى
فرصة. إنهم ليسوا بهذا العفاف الذي يَدَّعونه.
قفز قلب
ونستون ابتهاجاً. إذن لقد أتت ذلك الفعل عشرات المرات، وتمنى لو أنها قد فعلته
مئات أو آلاف المرات. فكل شيء يشير إلى الفساد كان يملأه بأمل مجنون. من يدري،
ربما كان الحزب يواري فساداً مستشرياً تحت هذه القشرة، وما تعاليمه عن التقشف
ونكران الذات إلا ستار يخفي وراءه ألوان العسف والجور. وكم ستكون سعادته لو استطاع
أن ينقل لهم العدوى بالبرص أو الزهري وأن يفعل كل ما من شأنه أن ينشر الفساد
والانحلال في الحزب حتى يمكن تقويضه! ثم جذبها نحو الأرض بحيث أصبحا وجهاً لوجه
وقال لها: «كلما ازداد عدد الذين يضاجعونك منهم ازداد حبي لك. هل تفهمين ما أعني؟»
- نعم
تماماً.
- إنني
أكره التبتل، وأمقت القداسة! ولا أريد بقاء لأي فضيلة في أي مكان. أريد أن يستشري
الفساد في كل شخص حتى النخاع.
- حسناً،
لا بد إذن أنني أناسبك يا عزيزي، فالفساد موغل فيّ حتى نخاعي.
- هل
تحبين إتيان ذلك الفعل؟ لعست أعني معي فقط، وإنما أعني الفعل في حد ذاته.
- إنني
أحبه حباً جماً.
كان ذلك
هو عين ما أراد أن يسمعه منها. ليس مجرد حب شخص لآخر، وإنما هي الغريزة الحيوانية
والرغبة التي يستوي فيها الناس، إنها القوة التي ستمزق الحزب إلى أشلاء. ومددها
فوق العشب وبين الزهور المتساقطة. ولم يصادف صعوبة هذه المرة وعادت أنفاسهما إلى
الحالة الطبيعية، ثم انفصلا بعدما انتابهما إعياء مفعم باللذة. وكانت الشمس قد
اشتدت حرارتها. وأحسا بنعاس يغالبهما. مدّ ونستون يده إلى معطفها الذي ألقته
جانباً وغطى به بعض جسدها. وراحا من فورهما يغطان في نوم عميق امتد بهما زهاء نصف
ساعة.
كان
ونستون هو من استيقظ أولاً فراح يتأمل ذلك الوجه الأنمش، الذي لا يزال نائماً في
سلام متوسدًا راحة يدها. ولم يكن فيها من جمال يلفت النظر سوى جمال ثغرها. فهنالك
خط أو خطان حول عينيها إذا دققت النظر. أما شعرها القصير الأسود الفاحم فكان
غزيراً وناعماً بشكل غير عادي. وتنبه في تلك اللحظة إلى أنه لا يزال يجهل اسمها
كاملاً أو عنوانها.
أثار هذا
الجسد الغض القوي، الذي ما يزال ساكناً في نومه، شعورًا بالأسى والرغبة في
حمايتها. ولكن الرقة المتناهية والتي استشعرها وهو تحت شجرة البندق حينما كان طائر
الحسون يغرد لم تعاوده ثانية. وحسر الثوب عن جسدها وراح يتفحص خصرها الغض. وتذكر
أن الرجل في الأيام السالفة كان ينظر إلى جسد الفتاة بشهوة ثم يكتفي بذلك. أما في
هذه الأيام فلا يمكن أن تحس بالحب الخالص أو الشهوة النقية، فلم تعد هنالك عاطفة
نقية لأن كل شيء بات يخالطه الخوف والكراهية. لقد كان عناقهما معركة ونشوتهما
نصراً. كانت صفعة على وجه الحزب بل فعل تحدٍّ سياسي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق