الفصل الأول
كان الوقت
ضحى عندما غادر ونستون مكتبه ومضى إلى المرحاض. وإذا بشخص مقبل نحوه من الطرف
الأخر للممر الطويل ذي الضوء الساطع. كانت الفتاة ذات الشعر الأسود. وكانت قد
انقضت أربعة أيام مذ صادفها خارج حانوت الخردوات. عندما اقتربت منه لفت انتباهه أن
ذراعها اليمنى معلّقة في رقبتها إلى رباط لم يستطع أن يميزه عن بعد لأن لونه شبيه
بلون لباسها الرسمي الذي كانت ترتديه. ربما كانت قد سحقت يدها وهي تدور حول آلات
(كاليدوسكوب) الكبيرة التي تتم فيها الحبكة القصصية. وكان مثل هذا الحادث أمراً
شائعاً في دائرة الإثارة.
كانت تفصل
بينهما مسافة أربعة أمتار تقريبا عندما تعثرت الفتاة وسقطت على وجهها فصرخت صرخة
ألم مدوية، لابد أنها سقطت على ذراعها المصابة. توقف ونستون عن سيره في حين كانت
الفتاة قد نهضت على ركبتيها وقد شحل وجهها وبدت شفتاها أكثر احمراراً، وكانت
عيناها تحدقان بوجهه وقد ارتسمت فيهما نظرة تطلب منه أن يساعدها، نظرة هي أقرب إلى
الخوف منها إلى الألم.
خفق قلب
ونستون بعاطفة غريبة، فالتي أمامه هي عدو كان يسعى للفتك به، لكنها أيضاً مخلوقة
بشرية تتألم، ولربما يكون ساعِدُها قد كسر مرة أخرى. وبغريزته الإنسانية تقدم
نحوها ليأخذ بيدها. فحينما رأها تسقط فوق ذراعها المضمدة شعر كما لو أن الألم قد
سرى إلى جسده هو. وسألها: هل أصابك أذى؟
- لا، لا
شيء.. إنها ذراعي... سوف تصبح على ما يرام في الحال.
كانت
تتكلم وقلبها يخفق بشدة، أما وجهها فقد شحب شحوباً شديدا. ومدت له يدها الثانية،
فأعانها على النهوض، وإذ ذاك بدا أنها استعادت بعض لونها وبدت في حال أفضل.
وعادت
تكرر بعد قليل: «لم يحدث شيء يستحق الذكر، فكل ما في الأمر أن معصمي ارتطم بالأرض.
شكراً لك أيها الرفيق».
وعاودت
السير في الاتجاه نفسه الذي كانت تسير فيه من قبل، سارت بخطى نشطة ورشيقة وكأن
شيئاً لم يحدث على الإطلاق.
لم تستغرق
هذه الحادثة سوى نصف دقيقة فقط. لقد كان الحرص على ألا تطفو مشاعر المرء على وجهه
بمثابة عادة باتت أشبه بالغريزة، فقد كانا يقفان أمام شاشة الرصد مباشرة عندما وقع
الحادث ومع ذلك كان من العسير جداً على ونستون أن يكبت شعور الدهشة الذي ارتسم على
وجهه، إذ أثناء الثانيتين أو الثلاث التي أعان خلالها الفتاة على النهوض حدث أنها
أودعته شيئاً في يده ولم يكن هناك شك في أنها فعلت ذلك عن قصد. كان هذا الشيء
صغيراً ومنبسطاً، وعندما ولج من باب المرحاض نقله من يده إلى جيبه حيث تحسسه
بأطراف أصابعه. كانت قصاصة من الورق مطويّة.
عندما وقف
أمام المبولة فتح الورقة وقال في نفسه «لا ريب في أنها تحمل رسالة ما بداخلها»،
وراودته نفسه للحظة أن يقرأ الرسالة في التو والحال، ولكنه سرعان ما تنبه لما
تنطوي عليه هذه الخطوة من حماقة مطبقة، إذ من المؤكد أن شاشات الرصد تعمل ليل نهار
في هذا المكان، فقفل راجعاً إلى مكتبه. جلس وألقى بقصاصة الورق بغير اهتمام بين
الأوراق الأخرى المرصوصة فوق مكتبه، وأحس بقلبه يخفق خفقات مدوية، وكان من حسن حظه
أن المهمة المسندة إليه في تلك اللحظة كانت عملاً روتينياً محضاً، إذ كان يصحح
قائمة مطولة من الأرقام وهو الأمر الذي لا يتطلّب انتباهاً شديدًا.
وقال في
نفسه أياً كان ما هو مكتوب في الرسالة، فلا بد أنه سيكون ذا مغزى سياسي. فكر في
تلك اللحظة باحتمالين. أولهما، وهو الأكثر رجحانا، أن الفتاة تعمل جاسوسة لحساب
شرطة الفكر، وهو ما كان يخشاه، لكنه لم يفهم لماذا تلجأ شرطة الفكر لهذه الطريقة
لتوصيل رسائلها، لعل لديهم من الأسباب ما يفسر ذلك. فلربما في الرسالة تهديد أو
استدعاء أو أمر بالانتحار أو فخ ما ينصب له. أما عن الاحتمال الآخر فقد كان أكثر
جنونا، كان يساور ونستون رغم أن ونستون قد حاول دون جدوى أن يكبته، ومفاده أن هذه
الرسالة ليس ثمة ما يربطها بشرطة الفكر على الإطلاق إذ إنها مرسلة من إحدى
المنظمات السرية. فلعل لجماعة «الأخوة» وجود!، ولعل الفتاة منضوية في عضويتها. لا
ريب في أن هذه الفكرة كانت عبثية، ولكنها انبجست في خاطره منذ لحظة شعوره بالورقة
في يده. ولم تكد تمر دقيقتان حتى كان التفسير الأول والأرجح قد خطر بباله ثانية. وحتى
الآن ورغم أن عقله أوحى إليه أن هذه الرسالة قد تعني موته، فإنه لم يصدق ذلك وظل
متشبثاً بأهداب أمل واه، في حين أخذ قلبه يدق بعنف محاولاً كبت أثر ارتعاشة على
صوته وهو يهمهم بالأرقام إلى آلة التسجيل.
لفّ رزمة
كاملة من أوراق العمل ثم زج بها في الأنبوب الهوائي. ثماني دقائق كانت قد مضت حين
أعاد تثبيت نظارته فوق أنفه وتنهد، ثم جذب مجموعة أخرى من أوراق العمل وقد وُضعت
قصاصة الورق فوقها، وما إن فضّها حتى رأى الكلمة التالية مكتوبة فوقها بخط كبير:
«أحبك»
تمفكه
ذهول شديد لعدة لحظات حتى أنه نسي أن يلقي بأداة الجريمة في قبور الذاكرة. وحينما
فعل ذلك، ورغم إداركه للخطر الذي ينطوي عليه إبداء أي اهتمام زائد، فإنه لم يقدر
على منع نفسه من قراءتها مرة ثانية، وفي الحال، حتى يطمئن قلبه إلى أن الكلمة
موجودة حقاً.
وكان من
العسير عليه أن يواصل العمل لما تبفى من وقت في ذلك الصباح. ولم يكن أشق عليه من
التركيز على ما بين يديه من مهام مزعجة، إلا ضرورة إخفائه لما يختلج وجهه من
انفعال أو اضطراب عن شاشة الرصد، وشعر كأن ناراً أشعلت في ضلوعه. كان تناوله لطعام
الغداء في المطعم الحار والغاص بالموظفين والمليء بالضوضاء بمثابة عملية تعذيب.
فقد كان يأمل أن يختلي بنفسه أثناء ساعة الغداء، لكنه ولسوء حظه، فإن الأحمق
بارصون قد حشرَ نفسه بكل سماجة بجانبه، وقد فاقت رائحة عرقه الكريهة رائحة الطعام
المسلوق، ومضى بارصون يثرثر حول الاستعدادات لأسبوع الكراهية، مبدياً حماسته بشكل
خاص لنموذج لوجه الأخ الكبير عَرْضَهُ متران ويجري إعداده بواسطة فرقة الجاسوسات،
التي تنتمي إليها ابنته، خصيصاً لهذه المناسبة. ولم يكن ونستون يستطيع سماع ما
يقوله بارصون وسط الضوضاء مما يضطره إلى تحمّل إزعاج تكرار بارصون لبعض ملاحظاته
السخيفة. وقد لمح الفتاة ذات مرة وهي جالسة مع فتاتين أخريين حول إحدى الموائد في
الطرف الآخر من قاعة الطعام. ويبدو أنها لم تره، أما هو فلم ينظر في اتجاهها مرة
ثانية.
كان
ونستون أفضل حالاً في فترة ما بعد الظهيرة. فقد أسندت إليه مهمة صعبة تتطلب عدة
ساعات وتستلزم منه تركيزاً بحيث ينحي كل ما عداها جانباً. كان عليه تزوير بعض
تقارير الإنتاج الصادرة منذ سنتين بطريقة تثير علامات استفهام حول نزاهة عضو بارز
في قيادة الحزب وقد غدا فى وضع مزعزع. كان ونستون يجيد أداء مثل هذا اللون من
العمل، بالتالي فقد تمكن من إقصاء الفتاة عن تفكيره لأكثر من ساعتين. ولكن عادت
ذكراها ترتسم أمام عينيه مصحوبة برغبة جامحة في الاختلاء بنفسه حتى يمكنه التفكير
في هذا التطور الجديد، وهو ما سيكون مستحيلاً دون أن يختلي بنفسه. كانت تلك الليلة
هي إحدى الليالي التي يتعين عليه فيها الذهاب إلى المركز الاجتماعي. ازدرد وجبة
طعام أخرى لا طعم لها ثم سارع إلى المركز وشارك في سخافة من سخافات «مجموعة
النقاش»، ثم لعب شوطين من كرة الطاولة وشرب عدة كؤوس من الخمر وجلس نصف ساعة يستمع
لمحاضرة بعنوان «علاقة الانجسوك (الاشتراكية الانجليزية) بالشطرنج». ورغم أن الملل
قد أمسك بتلابيب روحه، فإنه وللمرّة الأولى يشعر بعدم الرغبة فى التملص من أمسية
من تلك الأمسيات. إذ بعد رؤيته لكلمة «أحبك» شعر برغبة تنبجس بين حناياه في أن يظل
على قيد الحياة، وبدا له فجأة أن من الحماقة أن يجازف بنفسه في مثل هذه المجازفات
البسيطة. لم تكن الساعة قد بلغت الحادية عشرة مساء حينما عاد إلى شقته واستلقى على
فراشه في الظلام حيث يكون بمأمن من شاشة الرصد إن هو التزم الصمت، لكن كان في
مقدوره أن يسترسل في التفكير دون توقف.
وكانت
الصعوبة العملية التي تتطلب حلاً هي: كيف يتصل بالفتاة ويرتب لقاء معها. وكان قد
أبعد احتمال أنها تنصب له شركاً، وقد تأكد له ذلك بسبب ما اعتراها من اضطراب حينما
أودعته القصاصة. فقد كان جلياً أن نوبة من الهلع قد انتابتها إلى درجة أخرجتها عن
صورتها المعروفة، ولم يخطر على باله البتة أن يتمنّع عن قبول هذه البادرة منها،
رغم أنه كان يفكر قبل خمس ليال في تهشيم رأسها بحجر. لكن ذلك لم يعد ذا أهمية
الآن. وراح يفكر في جسدها العاري البض مثلما رآه في الحلم. كان يحسبها حمقاء كبقية
فتيات جيلها، برأس محشو بالحقد والأكاذيب وجوفٍ مملوء بالجليد. ولذا فقد انتابته
نوبة من حمى الخوف حينما خطر بباله احتمال فقدانه لها وإفلات جسدها الأبيض البض من
بين يديه! وكان أخشى ما يخشاه هو أن يتغير رأيها إذا هو لم يبادر إلى الاتصال بها.
ولكن الصعوبات العملية التي كانت تحول دون تحقق ذلك اللقاء كانت جمة. كان أمره
أشبه بأمر من يحاول تحريك قطعة شطرنج فيما الموت يحاصر الملك. فأينما تول وجهك تر
شاشة الرصد. وفي واقع الحال فإن كافة وسائل الاتصال بها قد خطرت بباله خلال خمس
دقائق من قراءته للرسالة، ولكنه الآن وبعدما أصبح لديه متسع من الوقت للتفكير، أخذ
يستعرضها واحدة تلو أخرى كما لو كان يصفّ مجموعة من الأدوات على مائدة.
وكان من
الجلي أنه من غير الممكن أن يجمع بينهما لقاء كذلك الذي جمع بينهما في ذاك الصباح.
فلو أن عملها كان في دائرة السجلات لكان الأمر هيناً نسبياً، لكنه لا يعرف على وجه
التحديد أين توجد دائرة الإثارة في المبنى، وليس لديه ما يتذرع به للذهاب إلى
هناك. ولو أنه كان يعرف أين تقطن وفي أي وقت تنصرف من العمل لتعمد مقابلتها في طريق
عودتها إلى منزلها. بيد أن تتبعها إلى منزلها لم يكن أمراً مأمونة عواقبه لأن ذلك
يعني التسكع خارج الوزارة وهو أمر يحتمل أن يلفت إليه الأنظار. وأما فكرة أن يبعث
لها برسالة عبر البريد فأمر غير ممكن بتاتاً، إذ كانت الرسائل تفتح عند نقلها
طبقاً لنظام متبع ومعلن ومن ثم ما كان يقدم على كتابة خطابات إلا قلة من الناس.
وحينما تستدعي الضرورة إرسال بعض الرسائل كان الناس يلجأون إلى بطاقات مطبوعة
تتضمن قائمة من العبارات الجاهزة، ويكفي المرء آنذاك أن يشطب على العبارت التي لا
تتناسب مع موضوع رسالته. وفي نهاية المطاف استقر رأيه أن آمن مكان يلتقيان فيه هو
المطعم. فإذا استطاع أن يشير إليها لكي تجلس بمفردها إلى منضدة في منتصف قاعة
الطعام بعيدًا عن شاشة الرصد ووسط طنين كاف من الأصوات ليغطي على الحديث بينهما،
إذا أمكن تحقيق هذه الشروط في مدى زمني مقداره 30 ثانية فبإمكانهما أن يتبادلا بعض
الكلمات.
انقضى
أسبوع كانت حياته خلاله بمثابة حلم قلق. ففي اليوم التالي لم تظهر الفتاة في
المطعم إلا حينما كان يهم بمغادرته، وكانت صافرة بدء العمل قد سمعت فظن أنها غيرت
نوبة عملها إلى نوبة أخرى. واجتاز كلاهما الآخر دون أن يرفع إليه ناظريه. وفي
اليوم الذي تلى ذلك، كانت الفتاة في المطعم في الوقت نفسه، لكنها كانت بصحبة ثلاث
فتيات أخريات وكن يجلسن أسفل شاشة الرصد مباشرة. ثم مرّت عليه ثلاثة أيام ثقيلة لم
تظهر خلالها على الإطلاق، وبدا له أن عقله وجسده قد أصيبا بحساسية مفرطة أو بنوع
من الشفافية جعل كل لفتة وكل صوت وكل تماس وكل كلمة، كان لزاماً عليه أن ينطق بها
أو يصغي إليها، لوناً من ألوان من العذاب. وحتى في نومه لم يبارحه طيفها.
وفي خلال
هذه الأيام لم يمسّ مفكرته. وإذا كان من راحة فقد كان يلتمسها في أوقات عمله حين
يكون بمقدوره أن ينسى نفسه في غمرة العمل لمدة أقصاها عشر دقائق. كان واضحاً أنه
ليس لديه أي دليل أو تفسير لما عساه قد لحق بالفتاة، ولا يمكن أن يسأل عنها. ربما
تكون قد راحت ضحية عملية تصفية أو ربما تكون قد أقدمت على الانتحار أو نُقلت إلى
الطرف الآخر من أوقيانيا. لكن أسوأ هذه الاحتمالات وأرجحها على الإطلاق أنها ربما
غيّرت رأيها وقررت أن تتحاشى لقاءه.
وفي اليوم
التالي عاودت الفتاة الظهور وقد حررت ذراعها من رباطه مكتفية بوضع ضمادة حول
معصمها. وكانت رؤيته لها مبعثاً لارتياح غامر لديه حتى أنه لم يستطع مقاومة الرغبة
في النظر إليها مباشرة لعدة ثوان. وفي اليوم التالي كان قاب قوسين أو أدنى من
إمكانية التحدث إليها، إذ عندما دلف إلى المطعم كانت تجلس إلى مائدة بعيدة عن
الحائط وكانت بمفردها. ولما كان الوقت مبكرا، فإن المطعم لم يكن قد امتلأ بعد
بروّاده. وتحرك الطابور إلى الأمام حتى أصبح ونستون أمام طاولة تسليم الطعام، ثم
توقف لدقيقتين لأن شخصاً من الذين يتقدمونه في الصف راح يشكو من عدم تسلمه قرص
السكر. ولكن الفتاة كانت لا تزال بمفردها عندما أكمل ونستون صينيته وبدأ يسير
متظاهراً بعدم الاكتراث بينما كانت عيناه تبحثان في المكان عن مائدة تقع خلفها.
وسار نحوها حتى بات لا يفصله عنها سوى ثلاثة أمتار. ولم يبق غير ثانيتين ويتحقق
مراده. وعندئذ تناهى إلى سمعه صوت قادم من خلفه ينادي «سميث» فتظاهر بأنه لم يسمع.
فعاد الصوت يكرر النداء «سميث». فأدرك أن لا فائدة من التظاهر بعدم السماع واستدار
يتطلّع وراءه فإذا به يرى ذلك الشاب الأشقر الشعر الغبي، الذي يدعى ويلشر والذي
بالكاد كان يعرفه، يدعوه مبتسماً لمكان شاغر بجانبه. ولم يكن رفضه لتلك الدعوة
بمأمون العاقبة. فبعد أن عرفه بعض من في المطعم لم يعد بمقدوره أن يذهب ويجلس
قبالة مائدة تجلس إليها فتاة بمفردها، فقد كان ذلك لافتاً للأنظار ولذا جلس مع
ويلشر وعلى شفتيه ابتسامة غير ودّية. وتهلل لذلك وجه الشاب الغبي. وعندئذ تراءى
لونستون أن يحطم هذا الوجه بفأس فيشقّه نصفين. وما هي إلا دقائق قليلة حتى كانت
مائدة الفتاة قد امتلأت.
ولكن لا
بد أنها لاحظته مقبلاً نحوها ولربما فهمت المغزى. وفي اليوم التالي حرص ونستون على
المجيء إلى المطعم مبكراً، فوجدها جالسة بمفردها في المكان نفسه. وكان يتقدمه في
الطابور مباشرة رجل ضئيل الجسم سريع الحركة أشبه بالخنفساء ذو وجه منبسط وعينين
صغيرتين مريبتين وما إن ابتعد عن طاولة التوزيع وهو يحمل صينيته حتى اتجه إلى
مائدة الفتاة كالسهم، فضاعت آمال ونستون الذي تبعه وقد تجمد الدم في عروقه، ولكن
لا جدوى من لقائه بالفتاة ما لم يكن على انفراد. في هذه اللحظة سُمع صوت ارتطام
وإذا بالرجل الضئيل قد هوى أرضاً على أطرافه الأربعة بينما طارت الصينية في الهواء
وجرى منها جدولان من الحساء والقهوة فوق أرضية القاعة. نهض الرجل على قدميه وهو
يرمق ونستون بنظرات عدائية. كان واضحا أنه يشك في أن ونستون قد عرقله من الخلف.
غير أن كل شيء مر بسلام. وبعد خمس ثوان كان ونستون يجلس إلى مائدة الفتاة بينما
راحت دقات قلبه تدوي كالرعد.
لم يرفع
نظره إلى عينيها. بل أخذ ينقل أوعية الطعام من الصينية إلى الطاولة وشرع في التهام
طعامه على الفور. كان أمراً بالغ الأهمية أن يبادر بالحديث إليها قبل مجيء أي شخص
آخر، ولكن شعوراً فظيعاً بالخوف قد انتابه، فقد انقضى أسبوع كامل على أولى بوادرها
نحوه ولربما تكون قد غيرت رأيها، بل لابد أنها قد غيرت رأيها! كان من المستحيل أن
تكلل مثل هذه العلاقات بالنجاح. إن ذلك لا يحدث على أرض الواقع. ولعله كان سيحجم
عن الحديث إليها لولا رؤيته أمبلفورث في تلك اللحظة، الشاعر ذا الأذنين كثيفتي
الشعر، وهو يتجول في أنحاء قاعة المطعم على مهل ومعه صينية باحثاً عن مكان شاغر.
كان ثمة وشيجة غامضة تربط أمبلفورث بونستون ومن المؤكد أنه لن يتردد في الجلوس معه
إن هو رآه. لم يكن أمام ونستون غير دقيقة واحدة للعمل. كان ونستون والفتاة منهمكين
في التهام الطعام دون توقف. وكان ما يتناولانه عبارة عن حساء فاصوليا. وبصوت هادى
وأشبه بالغمغمة كسر ونستون حاجز الصمت بينهما دون أن يرفع أي منهما عينيه عن
صينيته مواصلين تناول الحساء. وبين ملعقة وأخرى تبادلا بعض الكلمات الضرورية بصوت
خفيض ودون أن يعتري وجهيهما أي أنفعال.
- أي ساعة
تتركين عملك؟
- السادسة
والنصف مساء.
- أين
يمكن أن نلتقي؟
- ساحة
النصر قرب التمثال.
- إنها
مليئة بشاشات الرصد.
- لا خوف
إذا كانت مزدحمة بالناس.
- هل من
إشارة؟
- كلا، لا
تقترب مني إلا إذا رأيتني بين حشد من الناس. ولا تنظر نحوي بل ابق على مقربة مني.
- في أي
وقت؟
- السابعة
مساء.
- حسناً.
لكن
أمبلفورث لم ير ونستون، فجلس إلى مائدة أخرى. أما ونستون والفتاة فلم يتبادلا كلمة
واحدة بعد ذلك وكانا يتحاشيان تبادل النظر ما استطاعا إلى ذلك سبيلاً. فرغت الفتاة
من غدائها على عجل وانصرفت، في حين بقي ونستون يدخن سيجاره.
ذهب
ونستون إلى ساحة النصر قبل حلول الموعد المضروب وراح يدور حول النصب الهائل الحجم
ذي الشكل الأسطواني، المنتهي بتمثال ضخم للأخ الكبير وهو يحدق جنوباً في الأفق حيث
عقد له النصر على الطائرات الأوراسية (قبل سنوات كانوا يقولون طائرات شرقاسيا) في
معركة خاضتها المحطة الجوية رقم 1. في الشارع وأمام التمثال كان هناك تمثال آخر
لرجل يمتطي حصاناً يفترض أنه أوليفر كرومويل. مضت خمس دقائق على الموعد ولم تظهر
الفتاة فانتاب ونستون خوف شديد من جديد إذ ظن أنها لن تأتي وأنها قد عدلت عن
رأيها. راح يتقدم ببطء إلى الطرف الشمالي من الساحة وقد علا وجهه نوع من السرور
الباهت عندما وقعت عيناه على كنيسة القديس مارتن التي كانت أجراسها، حينما كانت
لها أجراس، تدق نغمات «أنت مدين لي بثلاث فارذنج». ثم فجأة رأى الفتاة واقفة عند
قاعدة التمثال وهي تقرأ، أو تتظاهر بقراءة، ما كتب على قاعدة التمثال، ولم يكن من
المأمون أن يقترب منها قبل أن يتجمع المزيد من الناس حولها، فشاشات الرصد تملأ
المكان. بيد أنه في هذه اللحظة انبعث صوت هتافات وسمع أزيز عربات ثقيلة تنطلق من
الناحية اليسرى. وفجأة سادت حالة من الهرج والمرج فى الساحة. تسللت الفتاة من بين
تماثيل الأُسُود عند قاعدة النصب ثم غرقت في الزحام. وتبعها ونستون بينما كان
يُعلَن أن قافلة من أسرى الحرب الأوراسيين كانت تمر.
كانت
جماهير كثيفة من الناس قد تقاطرت على الساحة حتى أغلقت طرفها الجنوبي. فرأى ونستون
نفسه، وهو الذي فى الأوقات العادية ينأى عن كل أشكال العراك، وقد راح يشق طريقه
بالمناكب ويدفع ويلكز ليشق طريقه إلى وسط الحشود. وسرعان ما بات على مبعدة ذراع
واحدة من الفتاة. ولكن الطريق كان مسدوداً برجل ضخم الجثة من العامة وامرأة بحجمه
تقريباً، ربما تكون زوجته، وكأنهما يشكلان معاً حائطاً بشرياً لا يمكن اختراقه. شق
ونستون طريقه بصعوبة حتى حشر كتفه بينهما بعنف. للحظة من الزمن أحس وكأن أحشاءه قد
انسحقت بين هاتين الكتلتين من اللحم. لكنه نجح في اختراقهما وقد تصبب عرقاً.
أخيراً وجد نفسه إلى جانب الفتاة كتفا لكتف وكلاهما يحدق أمامه دون أن يلتفت إلى
الآخر.
كان هناك
رتل طويل من الشاحنات، تحمل حراساً ذوي وجوه خشبية ومسلحين بالبنادق الألية يقفون
منتصبين في كل زاوية من زوايا الشاحنات، يمر ببطء في الشارع. وفي الشاحنات كان
يجلس رجال ضئيلو الأجسام ذوو بشرة صفراء وثياب خضراء رثة اكتظت بهم الشاحنات وراحت
وجوههم المنغولية البائسة تحدق من فوق جوانب الشاحنات فاغرين أفواههم غير عابئين
بشيء. وكنت تسمع من حين لآخر قعقعة الأغلال الحديدية التي سُربلوا بها كلما تأرجحت
شاحنة. شاحنات تلو شاحنات من الأسرى المساكين كانت تمر. وكان ونستون يشعر بوجود
هذه الوجوه لكنه كان يراهم على نحو متقطع، إذ كانت الفتاة تقف بجانبه وقد التصقت
ذراعها اليمنى بمرفقه، وكانت وجنتها قريبة منه بحيث كان يحس حرارتها. وسرعان ما
أمسكت الفتاة بزمام الموقف مثلما فعلت حينما كانت في المطعم. وابتدرته بالكلام
وبالصوت نفسه الخالي من الانفعالات كالعادة، حيث كانت شفتاها لا تتحركان إلا
بالكاد ولا يخرج منهما إلا همس يكاد يضيع وسط طنين الأصوات وقرقعة الشاحنات.
- هل
تسمعني !
- أجل.
- هل
يمكنك الحصول على إذن من العمل بعد ظهر الأحد؟
- أجل.
- إذن اصغ
إلى بعناية وانتبه جيداً لكل ما سأقوله. اذهب إلى محطة بادنجتون...
وبدقة
عسكرية متناهية أدهشته، أخذت توضح له الطريق الذي يسلكه كالتالي: رحلة بالقطار
تستغرق نصف ساعة، ثم الانعطاف يساراً خارج المحطة ثم السير كيلومترين عبر طريق حتى
يصل إلى بوابة نُزِع قضيبها العلوي اعبرها إلى طريق عبر الحقول يؤدي إلى ممر مغطى
بالعشب عبر شجيرات صغيرة إلى أن تصل إلى شجرة ميتة عليها طحالب كثيرة. كان الموقف
يبدو كما لو كانت تحمل خريطة داخل رأسها.
وأخيراً
سألته بصوت خفيض:
- هل
يمكنك تذكر كل ذلك؟
- أجل.
- إذن،
انعطف يساراً ثم يميناً فيساراً ثانية لتجد بوابة نُزِع قضيبها العلوي.
- فهمت،
لكن في أي وقت؟
- حوالي
الساعة الثالثة. ربما ستضطر للانتظار لأنني سأسلك طريقاً آخر. لكن هل أنت متأكد
أنك تتذكر جيدًا كل ما قلت؟
- أجل.
- إذن
ابتعد عني بأسرع ما يمكن.
لم تكن
تحتاج إلى قول ذلك. فقد ظلا لفترة من الزمن عاجزين عن تخليص نفسيهما من الجماهير
المحتشدة. كانت الشاحنات لا تزال تتتابع والناس فاغرين أفواههم دهشة وعجباً. في
البداية كان هناك قليل من صيحات الاستهجان والصفير وكانت تنبعث من أعضاء الحزب فقط
ولم تلبث أن توقفت. فقد كانت غريزة حب الاستطلاع تخيم على الأجواء. فالأجانب سواء
كانوا من أوراسيا أو شرقاسيا يُنظر إليهم كنوع من الحيوانات الغريبة. إذ لم يكن
المرء يراهم إلا في ثياب السجناء وحتى في ذلك لم يكن يستطيع أن يراهم إلا للحظات
عابرة كما أن مآلهم كان يظل مجهولاً، فباستثناء تلك القلة منهم الذين يشنقون
باعتبارهم مجرمي حرب، كان الباقون يختفون تماماً عن الأنظار ولعلهم يرسلون إلى
معسكرات الأشغال الشاقة. وغابت الوجوه المنغولية المستديرة لتحل محلها وجوه أوروبية
قذرة ذات لحى يظهر عليها أثر الإرهاق. ومن فوق خدود ناتئة العظام كانت عيونهم تنفذ
إلى عيني ونستون. فتارة تكون نظراتهم قاسية وتارة تذهب بعيداً. وبينما كان رتل
الشاحنات يقترب من نهايته رأى ونستون في آخرها عجوزاً كهلاً، وقد اكتسى وجهه بشعر
أشيب كثيف، يقف منتصباً وقد عقد معصميه معاً بشكل متقاطع أمام صدره كما لو كان قد
اعتاد أن يجدهما موثوقين معاً. وكان الوقت قد حان لافتراق ونستون والفتاة. ولكن في
اللحظة الأخيرة وفيما كانت الجماهير ما زالت محتشدة شبكت يده بيدها وضغطت عليها.
لم يستغرق
هذا التشابك بين يديهما أكثر من عشر ثوان، ومع ذلك بدا أنهما قد تشابكتا مدة أطول.
وكان في ذلك ما يكفي ونستون لمعرفة كل تقاطيع راحة يدها تفصيلاً. فقد تلمّس
الأصابع الطويلة والأظافر حسنة التقليم، وراحة اليد التي اخشوشنت من أثر العمل
وتلمّس اللحم الناعم عند المعصم. وكان مجرد تحسسه لها قميناً بأن يعرفها لاحقا مع
أنه لم يرها. وفي اللحظة ذاتها خطر بباله أنه لم يعرف لون عينيها. ربما كانتا
بُنيتين. ولكن ذوي الشعر الأسود قد تكون عيونهم زرقاء اللون أحياناً. وكان من
الحمق الشديد أن يلتفت لينظر إلى عينيها. فقد ظلا يحدقان أمامهما باستمرار حتى حين
تشابكت يداهما. وبدلاً من أن يتطلع ونستون في عيني الفتاة، رأى عيني الأسير الكهل
تحدقان بكآبة في عينيه من خلال شعر وجهه الكثيف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق