الفصل الخامس
اختفى
سايم. ففي ذات صباح تغيّب عن عمله، ولم يتساءل عن سبب اختفائه إلا بضعة أشخاص
مغفلين. وفي اليوم التالي أصبح طي النسيان ولم يأت على ذكره أحد، وفي اليوم الثالث
ذهب ونستون إلى قاعة قسم السجلات ليلقي نظرة على لوحة الإعلانات، وكانت إحداها
تحمل لائحة بأسماء أعضاء لجنة الشطرنج التي كان سايم عضواً فيها، وبدت اللائحة كما
كانت تبدو من قبل تماماً، إلا أنها نقصت اسما واحداً. وكان في ذلك دلالة كافية على
أن سايم لم يعد له وجود، بل لم يكن له وجود من قبل على الإطلاق.
كان الطقس
حارًا جدّاً، وفي الوزارة الأشبه بالمتاهة والمعدومة النوافذ كانت الغرف مكيفة
الهواء تحتفظ بدرجة حرارة طبيعية، أما في الخارج فكان لهيب الحرارة على الأرصفة
يشوي أقدام المارة كما كانت رائحة قطارات الأنفاق المزدحمة في ساعات الذروة تزكم
الأنوف، وكانت الاستعدادات لأسبوع الكراهية تجري على قدم وساق، وموظفو كافة
الوزارات يعملون ساعات إضافية، إذ كان يتعين عليهم تنظيم المواكب والاجتماعات
والاستعراضات العسكرية والمحاضرات والتماثيل الشمعية والعروض السينمائية وبرامج
شاشات الرصد، كما كانوا يعملون على نصب الحوامل للتماثيل وصُنع دمى لشخصيات معينة
ونقش الشعارات وصياغة الأغاني وإطلاق الشائعات وتزييف الصور. ولذلك توقفت وحدة
جوليا في قسم الخيال عن إنتاج الروايات من أجل الإسراع في إصدار سلسلة من المنشورات
التي تصور الفظاعات التي يقترفها الأعداء. أما ونستون فكان، إضافة إلى عمله
المعتاد، يصرف الساعات الطوال كل يوم في مراجعة ملفات الأعداد القديمة من صحيفة
التايمز وذلك لتغيير أو تحريف فقرات إخبارية كان يتعين الاستشهاد بها فيما سيلقى
من خطابات. في تلك الأيام كانت المدينة في حركة محمومة حيث تنزل الجموع المثيرة
للشغب من العامة لتطوف في الشوارع في أوقات متأخرة من الليل، كلما كانت القذائف
الصاروخية تتساقط على المدينة بمعدل يفوق أي وقت آخر، وكان دوي انفجارات هائلة
يُسمع عن بعد دون أن يجد أحد تفسيراً له، الأمر الذي كان يسمح بتطاير شائعات لا
معقولة حولها.
وكان
اللحن الجديد لأغنية أسبوع الكراهية (وكانوا يطلقون عليها أغنية الكراهية) يبثّ
عبر شاشات الرصد دون توقف. لحن كان في عمومه أبعد ما يكون عن الموسيقى بسبب ما كان
يميزه من إيقاع وحشي يجعله أقرب إلى نباح الكلاب وأشبه بدق الطبول، كما كان يزرع
الذعر في النفوس حينما تزأر به مئات الحناجر على وقع أقدام الجند وهي تضرب الأرض.
أما العامة فقد أغرموا بها حتى أنها دخلت في المنافسة مع الأغنية القديمة التي
كانت لا تزال تحظى لديهم بشعبية كبيرة والتي تقول «كان حلماً مقطوع الرجاء»، كما
كان أطفال بارصون يعزفونها ليل نهار وبصورة لا تحتمل على أسنان مشط وقطعة من ورق
الحمام. وهكذا أصبحت أمسيات ونستون أكثر ازدحاما بالمهام من أي وقت مضى، كما شُكلت
فرق من المتطوعين يقودها بارصون كانت مهمتها هي إعداد الشوارع لاستقبال أسبوع
الكراهية، فيحيكون الرايات ويرسمون الصور ويخطون اللافتات وينصبون صواري الأعلام
فوق المنازل ويمدون الأسلاك عبر الشوارع، بشكل يعرضهم للخطر، لاستقبال المحتفلين
من حَمَلَة الأعلام. وكان بارصون يباهي، وهو في أوج نشاطه وسعادته، بأن بنايات
النصر وحدها ستعرض أربعمائة متر من قماش الرايات، كما بدا أن شدة الحرارة والعمل
اليدوي قد أعطياه الذريعة للعودة إلى ارتداء السروال القصير والقميص المفتوح في
المساء، كما غدا شعلة من النشاط والحركة إذ تراه دافعاً شيئاً وجارّا آخر، ناشراً
أو طارقاً بمطرقة، يلاطف هذا ويمازح ذاك بطريقة رفاقية، ويقوم بما تمليه عليه
المواقف. وهو في كل ذلك كان يطلق من كل طية من طيات جسمه ما بدا معيناً لا ينضب من
عرق كريه الرائحة يزكم الأنوف.
وفجأة
ظهرت ملصقة جديدة في كافة أرجاء لندن، لم تكن تحمل أي كتابات أو تسمية بل كانت
تمثل صورة مخيفة لجندي أوراسي يراوح طوله ما بين ثلاثة إلى أربعة أمتار وهو يخطو
إلى الأمام بوجه منغولي جامد الملامح منتعلاً حذاء ضخماً ومتأبطاً مدفعاً رشاشاً.
ومن أي زاوية نظرت إلى الملصقة بدت فوهة المدفع على نحو أكبر وأقرب وهو يسددها
ندوك مباشرة. ولم يُترك مكان خال على جدار في لندن إلا وعُلقت عليه هذه الملصقة حتى
أنها فاقت صور الأخ الكبير عدداً، بل لقد كانت تدفع بالعامة الذين يقفون في العادة
موقفاً لامبالياً من الحرب إلى الانخراط في نوبات من السعار الوطني. وانسجاماً مع
هذه الأجواء كانت القذائف الصاروخية تتساقط مسببة في إزهاق الأرواح بأعداد أكثر من
المعتاد، وحدث أن سقطت إحداها على قاعة سينما غاصة بروادها في حي «ستيبني» فدفنت
مئات الضحايا تحت الأنقاض، فخرج جميع سكان الجوار للتشييع في جنازة ضخمة سارت
لساعات طويلة وقد كانت في الحقيقة مسيرة غضب. كما سقطت قذيفة أخرى على قطعة أرض
خربة كان يستخدمها الأطفال كملعب فمزّقت العشرات منهم إلى أشلاء. وكانت ثمة
مظاهرات ساخطة تجوب الشوارع تُحرق فيها دمى تمثّل غولدشتاين وتُمزق المئات من
الملصقات التي تصور الجندي الأوراسي ويقذف بها جميعاً لألسنة اللهب، ثم تنهب
المتاجر أثناء أعمال الشغب التي تترافق مع المظاهرات. وسرت شائعة بعدئذ مفادها أن
جواسيس كانوا يوجهون هذه القذائف الصاروخية عبر موجات لاسلكية، فقام المتظاهرون
بإضرام النيران في أحد المنازل العائدة لزوجين عجوزين من أصل أجنبي كانت الشكوك قد
ثارت حول ضلوعهما في ذلك فماتا اختناقاً بالدخان.
جوليا
وونستون وكلما تسنى لهما بلوغ الغرفة الكائنة فوق حانوت السيد شارنغتون كانا
يضطجعان جنباً إلى جنب فوق السرير المجرد من الأغطية تحت النافذة وهما عاريين
جرّاء شدة الحرارة. وبالرغم من أن الجرذان لم تعاود الظهور فإن البق قد تكاثر على
نحو مخيف بسبب الحرارة الشديدة، ولكن يبدو أن أياً من ذلك لم يكن ينتقص من
سعادتهما، فقد كانا يعتبرانها جنة سواء أكانت قذرة أو نظيفة، وكانا بمجرد وصولهما
إلى الغرفة يمطران كل شيء بوابل من الفلفل الذي ابتاعاه من السوق السوداء، ثم
ينزعان ثيابهما ويمارسان الحب معا والعرق يتصبب من جسديهما حتى يستغرقا في نوم
عميق، فإذا ما أفاقا وجدا البق وقد جمع صفوفه واحتشد لشن هجوم مضاد.
وقد بلغ
عدد مثل هذه اللقاءات خلال شهر حزيران ما بين أربعة إلى سبعة. وفي هذه الأثناء كان
ونستون قد أقلع عن عادة شرب الجن تماماً وكأنه لم يعد بحاجة إلى ذلك، كما غدا جسمه
أكثر امتلاء ولم تعد دوالي ساقيه ظاهرة عدا بقعة بنية فوق كاحله، وزالت عنه نوبات
السعال التي كاسا تنتابه كل صباح، كما لم يعد يرى الحياة حملاً ثقيلاً لا يطاق أو
يشعر بالحاجة الماسة لأن ينظر بغضب نحو شاشة الرصد أو يطلق اللعنات بأعلى صوته.
والآن وقد أصبح لديهما ملاذ آمن هو بمثابة المنزل لهما، فقد باتا لا يشعران بالضيق
من كونهما لا يلتقيان إلا مرات قليلة ولا يمكثان معاً في كل مرة سوى ساعتين. إذ
كان همّهما منصبّاً على أن الغرفة الكائنة فوق الحانوت ينبغي أن تظل موجودة وكان
مجرّد أنها موجودة ولم تُنتهك حرمتها يشعرهما بارتياح يكاد يضاهي ذلك الذي يشعرانه
حينما يكونان بداخلها، إذ كانت الغرفة تمثل لهما عالماً خاصاً كما باتت جيباً من
جيوب الماضي تستطيع الحيوانات المنقرضة أن تسير فيه، وكان ونستون يرى في السيد
شارنغتون حيواناً منقرضاً هو الآخر.
وقد اعتاد
ونستون أن يتوقف، كلما هم بالصعود إلى الغرفة، لدقائق قليلة يتجاذب فيها أطراف
الحديث مع السيد شارنغتون الذي كان نادراً ما يغادر حانوته ولا يأتيه إلا القليل
من الزبائن، فقد كان يعيش حياة أشبه بحياة الأشباح تبدأ من ذلك الحانوت المعتم
الضيق وتنتهي في المطبخ الخلفي الأشد ضيقاً حيث كان يعد فيه وجباته والذي كان
يحتوي، من بين ما يحتوي، على مذياع قديم جداً (غرامافون) ذي بوق هائل. وكان ذلك
العجوز يُسَرّ كلما سنحت له فرصة للحديث مع ونستون، وكان في تجواله بين متاعه عديم
القيمة، بأنفه الطويل ونظارته الغليظة وكتفيه المقوستين في معطفه المخملي، يبدو
كهاو لجمع التحف أكثر منه تاجراً. وبشيء من الحماس الفاتر كان يشير باصابعه إلى
هذه القطعة من الخردة أو تلك - كسدادة قنينة من الصيني أو غطاء مطلي لعلبة سعوط
مكسورة أو علبة مغلقة تحتوي على خصلة من شعر طفل مات منذ زمن طويل، وكل هذا دون أن
يسأل ونستون إن كان لديه رغبة في شراء أي منها، فكل ما يطمح إليه هو أن تحوز إعجاب
ونستون. أما الحديث معه فكان أشبه بالإصغاء إلى رنين صندوق موسيقي اهترأت أوتاره
حيث كان يستحضر من زوايا ذاكرته بعضاً من القصائد المنسية، فكانت إحداها تدور حول
أربعة وعشرين شحروراً وأخرى حول بقرة ذات قرن مكسور وثالثة عن موت الديك روبين المسكين.
وكان كلما استذكر بعض المقاطع يقول بضحكة خافتة مستنكرة: لقد خطر لي أنك ربما تهتم
بذلك، بيد أنه لم يكن يستطيع أن يتذكر أكثر من أبيات قلائل من كل قصيدة.
وكان
ونستون وجوليا يدركان، وبطريقة لا تفارق بالهما، أن دوام حياتهما على هذه الحال
أمر محال. وكانت تمر بهما أوقات يخيل إليهما غيها أن موتاً وشيكاً يحدق بهما تماما
كالسرير الذي يرقدان فوقه، وحينذاك كانا يلتصقان أحدهما بالآخر وقد تملكتهما
شهوانية يائسة مثل روح هالكة دنت لحظتها وتريد إشباع شهواتها وملذاتها قبل أن تدق
ساعة هلاكها. وفي أوقات أخرى كانا يعيشان شعور أن حالهما هذه ليست آمنة فحسب وإنما
أيضًا ذات ديمومة، كما كانا يشعران بأنهما ما داما في هذه الغرفة فلن يلحقهما أي
مكروه. ومع أن الوصول إلى الغرفة كان شاقاً ومحفوفاً بالمخاطر إلا أنها كانت لهما
حرماً آمناً. لقد كان ونستون ينتابه فيها شعور كذاك الذي ينتابه عندما يحدق في قلب
الثقل الزجاجي، ويحس بأن في مقدوره الدخول إلى ذلك العالم الزجاجي وبأنه بمجرد أن
يدلف إليه فإن بوسعه أن يوقف دوران الزمن. وكثيراً ما كانا يسلمان قيادهما لأحلام
يقظة تدور حول إمكانية إفلاتهما من موت محتوم، فقد يظل الحظ حليفاً لهما إلى أجل
غير منظور فيستطيعان مواصلة مؤامرتهما على هذا النحو في البقية الباقية من حياتهما
الطبيعية، أو قد تموت كاترين ويفلحان، بمناورة بارعة، في الحصول على إذن بالزواج،
أو قد ينتحران معاً، أو قد يتواريان عن العيون ويغيّران هيئتيهما بحيث لا يعرفهما
أحد ويتعلمان الكلام بلهجة البروليتاريا ويحصلان على عمل في أحد المصانع ويعيشان
ما بقي لهما من حياة في شارع خلفي بعيداً عن العيون. بيد أن كل تلك الأحلام كانت
محض هرأء ولم يكن ذلك يغيب عن إدراكهما. ففي واقع الأمر لم يكن أمامهما من مهرب،
فحتى الخطة الوحيدة القابلة للتطبيق، وهي انتحارهما، ما كان في نيتهما وضعها موضع
التنفيذ. لقد كانت حياتهما من يوم إلى يوم ومن أسبوع إلى أسبوع، وهما يغزلان خيوط
حاضر لا مستقبل له، تبدو أمراً غريزياً لا يمكنهما صده، تماماً مثلما تظل الرئتان
تجذبان النفس تلو النفس ما دام الهواء موجوداً.
وفي أحيان
أخرى، كانا يتحدثان عن الانخراط في ثورة حقيقية على سلطان الحزب ولكن دون أن يكون
لديهما أدنى تصور عن الخطوة الأولى في ذلك السبيل. وحتى لو كانت حركة «الأخوة»
الخرافية موجودة حقاً، فإن اختراق عالمها يظل عقبة كأداء، وقد تحدث ونستون إلى
جوليا عن تلك الألفة الموجودة، أو التي يخيل إليه أنها موجودة، بينه وبين أوبراين،
وعن ذلك الدافع الذي كان يراوده أحياناً في أن يلتقي أوبراين ويفصح له عما يكنّه
من عداوة للحزب ويطلب منه العون في ذلك. ومن الغريب حقاً أن جوليا لم تكن تعتبر
ذلك عملاً متهوراً يتعذر الإقدام عليه، إذ كانت اعتادت أن تحكم على الناس من سيماء
وجوههم، ولذا بدا لها أن من الطبيعي أن يعتقد ونستون بأن أوبراين جدير بالثقة
لمجرد ذلك التلاقي الذي حصل مرة بين شعاعي البصر لديهما. وفضلاً عن ذلك فقد كانت
تعتقد اعتقاداً راسخاً بأن كل شخص تقريباً يضمر في قريرته نقمة على الحزب وأنه لن
يتردد في خرق القواعد متى أَمِنَ عاقبة ذلك. ولكنها رفصت أن تؤمن بأن معارضة واسعة
النطاق ومنظمة موجودة أو يمكن أن يكتب لها الوجود. إذ كانت ترى أن ما يُتداول من
حكايات عن غولدشتاين وجيشه السري ما هي إلا خرافات اختلقها الحزب خدمة لأغراضه
وعليك أن تتظاهر بأنك تؤمن بها. وفي مرات لا يحصى عددها كانت تجد نفسها في تجمّعات
الحزب وفي تظاهراته العفوية، تهتف بأعلى صوتها مطالبة بضرورة إعدام أشخاص لم تكن
قد سمعت بأسمائهم من قبل كما لم تكن تصدق أي من الجرائم المزعومة التي نسبت إليهم.
وعندما تنعقد المحاكمات العلنية، كانت تأخذ مكانها بين مفارز اتحاد الشبيبة، التي
تحيط بقاعات المحاكم منذ الصباح وحتى المساء، وهي تردد من حين لآخر «الموت
للخونة». أما خلال دقيقتي الكراهية فكانت دائماً تبزّ رفيقاتها في كيل الإهانات
وصب اللعنات على غولدشتاين مع انها لم يكن لديها أدنى فكرة عمن يكون غولدشتاين هذا
أو عن معتقداته وما يمثّل. لقد أدركت الحياة في عهد الثورة، أما قبل الثورة فكانت
صغيرة ولا يمكنها أن تتذكر شيئاً عن المعارك الأيديولوجية التي دارت رحاها في
الخمسينات والستينات. وكان وجود شيء مثل الحركة السياسية المستقلة أمراً لا يمكن
تصوّره وكانت تؤمن بأن الحزب قوة لا تقهر، وأنه سيظل قائماً كما هو أبد الدهر. وكل
ما في استطاعة المرء فعله هو أن يتمرد عليه بالعصيان سراً أو على الأكثر بأعمال
عنف متفرقة كقتل شخص أو نسف بناية ما. وكانت جوليا أَحَدُّ ذهناً من ونستون وأقل
تأثراً بدعاية الحزب. فذات مرة، عندما عرّج في حديثه معها على الحرب ضد أوراسيا،
هاله قولها بأنها تعتقد أنه لم يكن هنالك من حرب، وأن القذائف الصاروخية التي
تتساقط يومياً فوق لندن ربما كانت تطلقها حكومة أوقيانيا بنفسها لا لشيء إلا
«لإبقاء الشعب في حالة من الفزع»، وهذه فكرة لم تكن قد خطرت ببال ونستون إطلاقاً،
كما أنها أثارت في نفسه شيئاً من الحسد عندما أخبرته بأن العقبة الكبرى التي كانت
تواجهها خلال دقيقتي الكراهية هي تحاشي الضحك عالياً. وكانت تتشكك في تعاليم
الحزب، خاصة حينما تمس هذه التعاليم بطريقة ما حياتها الخاصة، وقد كانت في غالب
الأحوال على استعداد لقبول الأساطير المؤسسة للحزب وذلك لأن الفرق بين الحقيقة
والزيف أمر لم يكن يهمها من بعيد أو قريب، فمثلاً كانت تصدق ما تعلمته في المدرسة
من أن الحزب هو الذي اخترع الطائرات. أما ونستون فكين يذكر أنه في أيام دراسته في
أواخر الخمسينات تعلّم أن الحزب اخترع طائرات الهليكوبتر فقط. ولكن بعد مرور اثني
عشر عاماً، عندما كانت جوليا في المدرسة، ادّعى الحزب أنه اخترع الطائرة، ولا بد
أنه بعد مرور جيل آخر سيدّعي اختراعه للمحرك البخاري. وعندما أخبرها أن الطائرات
كانت موجودة قبل أن يولد، بل وقبل أن تقوم الثورة بوقت طويل، وجد أنها لا تعير هذه
الحقائق انتباهاً، فمهما يكن، ما هي أهمية أن نعرف من الذي اخترع الطائرات؟ بل
وراعته الصدمة أكثر حينما اكتشف من ملاحظة عابرة وردت في حديثها أنها لا تذكر أن
أوقيانيا كانت في حرب ضد شرقاسيا وفي سلام مع أوراسيا منذ أربع سنوات. صحيح أنها
كانت تعتبر مسألة الحرب برمتها ادعاء زائفاً، ولكن من الواضح أنها لم تنتبه إلى أن
اسم العدو قد تغير، إذ قالت بغموض: «كنت أظن دائماً أننا في حرب مع أوراسيا». وقد
أخافه ذلك. فاختراع الطائرات يعود إلى ما قبل مولدها بزمن طويل، ولكن التحول في
الحرب لم يحدث إلا قبل أربعة أعوام أي بعد أن كانت قد نضجت ووعت الحياة. ودخلا في
حجاج حول ذلك الموضوع زهاء ربع الساعة، وفي النهاية نجح ونستون في إرجاع ذاكرتها
إلى الوراء حتى تذكرت على نحو غير واضح أنه في وقت من الأوقات كانت شرقاسيا لا
أوراسيا هي العدو. ولكنها ظلت ترى أن هذه المسألة عديمة الأهمية. وقالت بصبر نافد:
«وماذا يهم؟ إنها دائماً حرب دموية تتلوها حرب دموية أخرى، والكل يعرف أن هذا كلّه
محض أكاذيب».
أحياناً
كان يحدثها عن قسم السجلات وعن التزويرات الوقحة التي تتم. وقد أدهشه أن معرفتها
بمثل هذه الأشياء لم تفزعها، ولم تكن تشعر بالهوة السحيقة والرّعب عندما علمت أن
الاكاذيب هناك تتزيا بزي الحقائق. وقص عليها ما كان من أمر جونز وآرونسون
ورازرفورد وقصاصة الورق الخطيرة التي حدث ووقعت بين يديه ذات مرة. إلا أنها لم
تتأثر كثيراً بذلك، بل ولم تفطن في بداية الأمر إلى مغزى ما يورده من شواهد في القصة
فسألته:
- هل
كانوا أصدقاءك؟
- كلا،
فأنا لم أعرفهم أبداً، لقد كانوا أعضاء في الحزب الداخلي، فضلاً عن أنهم كانوا
أ;مبر مني سناً وكانوا من بقايا الأيام الغابرة التي سبقت الثورة، ولا أكاد أميزهم
بالنظر.
- إذن ما
الذي يقلقك؟ فالناس دائماً يلقون حتفهم ويُقتلون، أليس كذلك؟
حاول أن
يجعلها تفهم استثنائية الوضع، وأن الأمر ليس مجرد قتل شخص، فسألها: «هل تعلمين أن
الماضي، ابتداء من الأمس، قد تم محوه محواً تاماً؟ وحتى إذا كان له أي وجود فقد
يكون في أشياء قليلة مصمتة لا كلمات عليها مثل ذلك الثقل الزجاجي. إننا نكاد لا
نعرف شيئاً محدداً عن الثورة والسنوات التي سبقتها، فكل السجلات تم إتلافها أو
تحريفها، وكل كتاب أعيدت كتابته، وكل صورة أعيد رسمها، واسم كل تمثال وشارع وبناية
جرى استبداله، وكل تاريخ جرى تحريفه، وما زالت هذه العملية متواصلة يوماً بيوم
ودقيقة بدقيقة. لقد وصلنا إلى نهاية التاريخ، وانتفت صفة الوجود عن كل شيء عدا
الحاضر الذي لا نهاية له والذي ينطق بأن الحزب دائماً على حق. إنني أعلم بالطبع أن
الماضي يزيف ولكن لن يكون بمستطاعي إطلاقا أن آتي ببرهان على ذلك حتى لو كنت أنا
الذي قمت بالتزييف. فبمجرد الانتهاء من التزييف يجري إحراق كل دليل حي. والدليل
الوحيد هو ذلك الذي يبقى داخل عقلي ولا أعرف يقيناً إن كان هنالك إنسان آخر
يشاركني فيما أحمل في ذاكرتي أم لا. وطوال حياتي لم أعثر على دليل مادي وملموس إلا
مرة واحدة وبعد أن كان الحدث قد مضى عليه سنوات».
- لكن وما
النفع من ذلك؟
- لم يكن
ذا نفع، لأنني ألقيت به في المحرقة بعد بضع دقائق. لكن لو أن ذلك حدث اليوم لكنت
احتفظت به.
فقالت
جوليا: «أما أنا فلم أكن لأحتفظ به! إنني على أتم الأهبة للمجازفة ولكن فقط من أجل
شيء جدير بهذه المجازفة لا من أجل قصاصة من صحيفة قديمة. ماذا كان باستطاعتك أن
تفعل لو أنك احتفظت بها؟»
أجاب
قائلاً: «ربما لم أكن لأفعل الكثير، ولكنه كان دليلاً على أي حال، دليلاً قد يزرع
بعض الشك هنا وهناك على افتراض أنني كنت سأتجرّأ على إطلاع البعض عليه. إنني لا
أتخيل أنه سيكون بمقدورنا أن نغير أي شيء في حياتنا الراهنة، ولكن بوسع المرء أن
يتخيل إمكانية ظهور جيوب صغيرة للمقاومة تظهر هنا وهناك، في شكل جماعات صغيرة من
الأفراد يشد بعضها إزر بعض، وتأخذ في التكاثر تاركة وراءها ولو بضعة سجلات حتى
يتسنى للجيل التالي أن يبدأ من حيث انتهينا».
فقالت:
«إنني لمست مهتمة بالجيل التالي يا عزيزي. ما يهمني هو نحن».
فقال لها:
«إنك ثائرة من خصرك فما دونه فحسب».
رأت في
ذلك دعابة لطيفة منه فعانقته ضاحكة وهي في غاية البهجة.
لم تكن
جوليا لتعير أدنى اهتمام لعقيدة الحزب وتفرعاتها. وحالما كان ونستون يبدأ الحديث
عن مبادى الاشتراكية الإنجليزية والتفكير المزدوج وسيرورة الماضي وإنكار الواقع
الموضوعي ولأخذ في استخدام كلمات من اللغة الجديدة، كان يبدو عليها الملل
والارتباك وتقول إنها لم يسبق أن أبدت اهتماماً بمثل هذه الأمور. فالمرء يعلم أنها
كلها محض سخافات، فعلام يقلق نفسه بها؟ كانت تعلم متى يجب عليها الهتاف ومتى يجب
السباب، وذلك هو كل ما كان يحتاج إليه المرء. وإذا ما أصر ونستون على الحديث عن
مثل هذه الموضوعات كانت تستسلم للنوم، فقد كانت من النوع الذي يستطيع أن ينام في
أي ساعة وفي أي وضعية. ومن حديثه معها أدرك أنه من السهل أن يتظاهر المرء بالولاء
للحزب وهو لا يدرك حتى معنى الولاء. وبطريقة ما، فرضت نظرة الحزب نفسها على أناس
لا يقدرون حتى على فهمها، فجعلتهم يقبلون انتهاكاته الفاضحة للحقيقة لأنهم لم
يستطيعوا أبداً أن يفهموا ذلك، كما أنهم لم يكونوا يبدون القدر الكافي من الاهتمام
بما يحدث حتى يمكنهم فهم التزوير لوقائع الحياة. ولقد كان لافتقادهم للفهم فضل في
جعلهم بمأمن من الجنون. لقد كانوا ببساطة يبتلعون كل شيء ولم يكن ما يبتلعونه
ليصيبهم بأي أذى لأنه لا يترك أي رواسب، بل يمر كما تمر حبة القمح في جوف طائر دون
أن يهضمها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق