السبت، 27 مايو 2017

الجزء الثالث - الفصل 4

الفصل الرابع 


 

كانت حالة ونستون الصحية تتحسن تحسناً واضحاً، فقد راح جسمه يزداد قوة وامتلاء يوماً بعد يوم، هذا إن صح أن يتحدث المرء عن الأيام.
كان الضوء الباهر وصوت الطنين مستمرين تماماً كما كانا من قبل، غير أن سبل الراحة بالزنزانة أصبحت متوفرة أكثر بقليل عن ذي قبل، فوضعوا له على السرير فراشاً ووسادة، وجاؤوا له بمقعد وسمحوا له بالاستحمام بصورة منتظمة في حوض من الصفيح، بل وأعطوه ماء دافئاً للاغتسال، كما زوّدوه بملابس داخلية وبزة، وعالجوا دوالي ساقيه الملتهبة وقدموا له طقم أسنان صناعية بعد أن خلعوا ما كان قد بقي له من أسنان.
ولا بد أن أسابيع وربما شهوراً قد مرّت وهو على هذه الحال، وقد أصبح بوسعه الآن أن يحصي الأيام والليالي فيما لو شاء ذلك، حيث أصبحت وجبات الطعام تقدم له بصفة منتظمة، وحسب تقديره كان يتناول ثلاث وجبات خلال الأربع والعشرين ساعة، كان يقدم له فيها طعام جيد إلى حد بعيد حيث كانت الوجبة الثالثة دائما تحتوي على لحم، بل وذات مرة أعطوه علبة من السجائر، ولأنه لم يكن لديه ثقاب فقد كان الحارس الصامت دائماً يعطيه ثقاباً، ولدى أول محاولة من جانبه للتدخين انتابته نوبة سعال حادة، لكنه ثابر على ذلك وراح يدخن نصف سيجارة عقب كل وجبة.
وأعطوه لوحاً للكتابة وقلم رصاص لكنه لم يستعملهما أول الأمر، فحتى في فترات استيقاظه كان يشعر وكأنه مخدر، وغالباً ما كان يستلقي بين كل وجبة وأخرى دون أن يتحرك، فكان يستغرق في نوم عميق في بعض الأحيان، بينما يروح في أحيان أخرى في حالة من التأمل والتفكير كان يتعذر عليه خلالها أن يفتح عينيه رغم أنه كان قد أَلِفَ منذ وقت طويل أن ينام والضوء القوي مسلط على وجهه. وكان يتخلل هذه الساعات الطوال أحلام كثيرة كانت سارة في معظمها، فتارة يتراءى له أنه في الريف الذهبي وتارة أخرى يتراءى له أنه جالس وسط أطلال ضخمة تنعكس عليها أشعة الشمس وبصحبته أمه وجوليا وأوبراين ولا يفعلون شيئاً سوى الجلوس تحت أشعة الشمس والحديث عما ترتاح له النفس. ولم تكن أفكاره في معظمها تخرج عن تلك الأحلام التي يراها ويبدو أنه قد فقد كل قدرة على التفكير بعد زوال أسباب الألم عنه. ومع كل ذلك لم يكن يشعر بالملل أو بالرغبة في الحديث إلى أحد، أو حتى في التلهي بأي شيء، فكل ما كان يتطلّع إليه هو أن يبقى وحيداً لا يضربه أو يستجوبه أحد وأن يحصل على كفايته من الطعام وأن يتاح له أن ينظف جسمه.
وعلى نحو تدريجي صار يمضي ساعات أقل في النوم، إلا أنه لم يكن يشعر بأي دافع لمغادرة فراشه، فقد كان كل همه أن يستلقي في هدوء ويستشعر العافية وهي تدب في أوصاله من جديد، فكان يتحسس بأصابعه أنحاء جسمه المختلفة ليتحقق من أن نمو عضلاته واستدارتها واشتداد جلده ليس خداعاً بصرياً، ولم يعد يساوره شك في أن جسمه آخذ في الامتلاء حتى أن فخذيه أصبحا أغلط من ركبتيه. وبعد فترة بدأ، بشيء من النفور أول الأمر، يمارس بعض التمرينات الرياضية على نحو اعتيادي. ولم يمض وقت طويل حتى أصبح بمقدوره أن يمشي ثلاثة كيلومترات مقدراً إياها بخطواته التي يقطعها داخل الزنزانة، كما أن كتفيه المقوستين راحتا تستقيمان. وحاول أن يؤدي بعض التمرينات الأعقد لكنّ شعوراً بالصدمة والمذلَّة قد تَمَلَّكه حينما وجد نفسه عاجزاً لا يقوى على ذلك، فلم يستطع أن يحمل المقعد بذراعه، كما لم يستطع أن يقف على ساق واحدة دون أن يسقط أرضاً. وكان إذا جلس على عقبيه لم يستطع النهوض ثانية إلا بألم شديد في فخذه وربلة ساقه، وإذا انبطح على بطنه وحاول أن يرفع جسمه عن الأرض يعجز عن رفع جسمه ولو سنتمتراً واحداً، لكنه بعد بضعة أيام تمكن من ذلك أيضاً. وراح يتباهى بجسمه ممنّياً نفسه بأن وجهه قد أخذ يعود إلى شكله الطبيعي، لكنه حينما يحدث أن يتحسس رأسه الأصلع فإنه يتذكر ذلك الوجه المهشم المملوء بالتجاعيد الذي نظر إليه في المرآة أول مرة.
وازداد ذهنه نشاطاً، فقد كان يجلس في السرير متكئاً بظهره إلى الحائط وواضعاً لوح الكتابة على ركبتيه محاولاً الشروع في إعادة تثقيف نفسه.
لقد قرر الاستسلام، هذه مسألة لا ريب فيها. والواقع أنه كان على استعداد للاستسلام حتى قبل فترة من اتخاذه لهذا القرار. فمنذ اللحظة التي أدخل فيها إلى وزارة الحب، بل منذ أن وقف هو وجوليا متسمرين في مكانهما حينما راح ذلك الصوت المنبعث من شاشة الرصد يملي عليهما ما يفعلانه، أدرك سخف وحماقة سعيه لأن ينصّب من نفسه عدواً للحزب. لقد أدرك الآن أنه وعلى مدى سبع سنوات كانت شرطة الفكر تراقبه مثل خنفساء تحت عدسة مكبرة، وأنه لم يكن يأتي بحركة أو ينطق بكلمة إلا سجلوها عليه، ولم تكن ترد على خاطره فكرة إلا سبروا غورها، بل حتى ذرات الغبار الأبيض التي كان يضعها على غلاف مذكراته كانوا يستبدلونها، كما أنهم أسمعوه أشرطة صوتية مسجلة وأروه صوراً فوتوغرافية بعضها كانت تجمع بينه وبين جوليا. لقد خلص إلى أنه لم يعد يستطيع أن يناصب الحزب العداء فضلاً عن أن الحزب على حق دائماً، ولا بد أنه على حق، إذ كيف يعقل أن يكون العقل الجماعي الخالد على خطأ؟ وبأي معايير خارجية يمكن تقييم أحكامه؟ إن لسلامة العقل مقاييس إحصائية، والمسألة برمتها لا تقتضي أكثر من مجرد أن تتعلم التفكير بالطريقة التي يفكرون بها.
وحينما شعر بأن القلم بات غليظاً ومزعجاً لأصابعه راح يسجل الأفكار التي كانت تدور برأسه، فكتب وبأحرف كبيرة غير واضحة:
الحرية هي العبودية
ثم ودونما توقف كتب تحتها:
اثنان واثنان يساويان خمسة
وحينئذ أحس بنوع من الجمود وبدا له أن حالة من الجمود قد تملكت عقله حتى بات عاجزاً عن التركيز لتهيّبه من شيء ما. كان يعلم أنه يعرف ما الذي سيعقب ذلك، لكنه لم يكن يستطيع أن يتذكره الآن، وعندما تذكره لم يكن ذلك إلا بفعل قدرته على تقدير ما هو من المفترض أن يكون، أي أنه لم يأت تلقائياً. فكتب يقول:
الله هو السلطة
لقد تقبّل كل شيء، وخلص إلى أن الماضي قابل للتغيير رغم أنه لم يتغير أبداً. كما اقتنع بأن أوقيانيا كانت في حرب مع إيستاسيا وأنها كانت في حرب معها بصفة دائمة وبأن كل من جونز وآرنسون وراذرفورد قد اقترفوا الجرائم التي أدينوا بها وبأنه لم ير أبداً الصورة التي تبرئ ساحتهم، فهذه الصورة لم توجد البتة وإنما هو الذي اخترعها. وتذكر أشياء متناقضة لكنه اعتبرها ذكريات زائفة ناتجة عن خداع الذات. وأدرك كم أن الأمر سهل، فلم يكد يستسلم حتى وجد أن كل شيء أصبح مؤاتياً ويأتي من تلقاء ذاته. إن الأمر أشبه بمن يسبح ضد تيار يجرفه إلى الوراء مهما كان قوياً، ثم فجأة قرر تغيير الاتجاه والسباحة مع التيار بدلاً من معاكسته. وما من شيء تغير في ذلك إلا موقفه: فما كان مقدراً سلفاً كان سيحدث على أي حال، ولم يكن يعرف إلا بالكاد لماذا تمرّد. فكل شيء كان سهلاً ولسيراً ما عدا...!
إن أي شيء يمكن أن يكون صحيحاً، وليس فيما يدعى بقوانين الطبيعة إلا هراء، وقانون الجاذبية ما هو إلا عبث. ألم يقل أوبراين «لو شئت لجعلت أرضية هذه الغرفة تطفو كفقاعة الصابون». وأدرك ونستون الموضوع على النحو التالي: إذا كان أوبراين يظن أن بمقدوره أن يجعل أرضية الغرفة تطفو، وإذا ظننت أنا في الوقت نفسه أنني أراه يفعل ذلك، فإن الأمر يكون قد حدث بالفعل. وفجأة انبجست الفكرة التالية في عقله انبجاس كتلة من حطام سفينة غارقة تطفو فوق سطح الماء: إن ذلك لا يحدث في واقع الأمر وإنما نحن نتوهمه، إنه هذيان، لكنه سرعان ما طرد هذه الفكرة من مخيلته رغم أن المغالطة جلية وواضحة، إنه يفترض أن ثمة عالماً حقيقياً تقع فيه الحوادث الحقيقية موجود في مكان ما خارج النفس، ولكن كيف يمكن أن يوجد عالم مثل هذا العالم؟ وهل من معرفة لم تردنا عن طريق عقولنا؟ فكل شيء يحدث في العقل وكل ما يحدث في العقل إنما هو ما يحدث حقاً.
لم يجد صعوبة في دحض هذه المغالطة، كما أن خطراً لم يكن يتهدده إن هو لم يذعن لها. لكنه خلص رغم ذلك إلى أنه ما كان ينبغي أن تخطر بباله هذه المغالطة، كما أن العقل ينبغي أن يكون بمثابة بقعة عمياء حينما تخطر له أي من تلك الأفكار الخطرة. وهذه عملية يجب أن تحدث تلقائياً وبوحي من الغريزة، أو كما أسموها في اللغة الجديدة «إيقاف الجريمة».
وشرع يمرن نفسه على إيقاف الجريمة، وأخذ يواجه نفسه بفرضيات مثل: يقول الحزب إن الأرض مستوية، ويقول إن الثلج أثقل من الماء، ثم راح يمرن نفسه على ألا يرى أو يفهم ما يساق من براهين تدحض هذه الفرضيات، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير لأنه كان يستلزم قدرات عظيمة على التحكم في العقل والذكاء. ولذلك كانت المسائل الحسابية التي تثيرها مثلاً عبارة مثل «اثنان واثنان يساويان خمسة>» أبعد من أن يتفهمها عقله، وهي تتطلب أيضاً شكلاً من أشكال رياضة العقل وقدرة على استخدام المنطق إلى أقصى الحدود ثم، وفي اللحظة ذاتها، التعامي عن أوضح المغالطات المنطقية، ومن ثم كان الغباء لازماً لزوم الذكاء بل هو أصعب منالاً.
وكان يتساءل طوال تلك الأوقات متى سيطلقون عليه النار. لقد قال أوبراين «إن الأمر كله يتوقف عليك»، ولكنه كان يدرك أنه ليس في استطاعته أن يفعل ما يقرّب هذا الأمر، فقد يحدث ذلك خلال عشر دقائق من الآن أو عشر سنوات، فربما يبقونه في سجن انفرادي لسنوات، وربما يرسلونه إلى معسكر من معسكرات الأشغال الشاقة، أو ربما يطلقون سراحه ردحاً من الزمن كما كان ديدنهم في بعض الأحيان، ومن الجائز تماماً أنهم قبل أن يطلقوا عليه الرصاص يمكن أن يعيدوا تمثيل مسرحية اعتقاله واستجوابه من جديد. أما الشيء الوحيد الذي كان واثقا منه هو أن الموت لن يأتيه إلا بغتة، فقد كان عرفاً غير معلن أن يطلقوا النار على المرء من الخلف، ودائماً في مؤخرة رأسه ومن دون إنذار سابق أثناء سيره من زنزانة إلى أخرى عبر أحد الممرات.
وذات يوم، وإن كانت عبارة «ذات يوم» ليست بالتعبير الصحيح هنا، إذ أغلب الظن أن ذلك حدث في منتصف الليل حينما استغرق في حلم جميل غريب، تراءى له أنه بينما كان يسير عبر الممر مترقباً أن تأتيه الرصاصة في أي لحظة، تناهى إلى علمه أنها ستأتيه في لحظة أخرى. وهنا شعر بارتياح وهدأت شكوكه وزالت مخاوفه وآلامه وسكت عن الجدل. كان جسمه مفعماً بالحيوية والقوة وكان يسير بخفة تحت ضياء الشمس وقد امتلأت خطواته بهجة وفرحاً بذلك، لم يعد يسير عبر ممرات وزارة الحب الضيقة الكالحة وإنما في مرج فسيح تذهبه أشعة الشمس حتى ظن أنه واقع تحت تأثير جرعة من المخدرات. لقد تراءى له أنه في الريف الذهبي يسير فوق الحشائش الخضراء وأشعة الشمس الرقيقة تداعب وجنتيه، كما كان باستطاعته أن يشعر بالحشائش القصيرة وهو يطأها بقدميه. وعند حافة هذا المرج كانت أغصان أشجار الدردار تتمايل بينما ينساب من تحتها جدول من الماء يسبح فيه بعض السمك النهري.
وفجأة جفل مفزوعاً، وأخذ العرق يتصبّب من عموده الفقري، ثم سمع نفسه يصرخ بأعلى صوته: جوليا! جوليا! جوليا! حبيبتي جوليا!
وانتابته في ذلك الوقت حالة هذيان جارفة جعلته يعتقد بوجود جوليا أمامه، وبدا له أنها ليست معه فحسب، وإنما تغلغلت في داخله حتى أصبحت جزءاً من كيانه. وفي تلك اللحظة شعر نحوها بحب غامر لم يشعر به حينما كانا طليقين معاً، كما أحس بأنها لا تزال على قيد الحياة وأنها في حاجة إلى أن يمدّ لها يد العون.
اضطجع في فراشه وهو يحاول أن يهدى من روعه، وتساءل ما الذي دهاه حتى يفعل ما فعل؟ وكم سنة أضاف إلى سنوات عبوديته بسبب لحظة الضعف هذه؟
وتصور أنه سوف يسمع وقع أقدام الحراس بعد لحظات، إذ لا يمكن أن يتركوا مثل هذا العمل يمر دون قصاص، وسوف يدركون الآن، إن لم يكونوا قد أدركوا سلفاً، أنه قد خرق الاتفاق الذي أبرمه معهم. نعم لقد انصاعت إرادته للحزب لكن قلبه لا يزال يضمر له الكراهية. لقد كان فيما مضى يخفي عقلاً ضالاً وراء مظهر من مظاهر الامتثال للحزب، أما الآن فقد ارتد على عقبيه: لقد استسلم بعقله، وكان يأمل أن يظل قلبه المكنون لا يمسسه شيء. كان يدرك أنه على خطأ، ولكنه فضّل أن يتمسك بخطئه، فلا قائدة ترجى من التراجع، ولا بد أنهم سينتبهون إلى ذلك وسينتبه إليه أوبراين بلا ريب، فهو قد اعترف بكل شيء في تلك الصرخة الرعناء حينما راح يصرخ منادياً على جوليا.
وسيتوجب عليه أن يبدأ الطريق الذي قطعه من جديد، وربما استغرق ذلك منه سنوات. وراح ونستون يتحسس وجهه بيده محاولاً أن يألف الشكل الجديد الذي أخذه، كانت هنالك تجاعيد عميقة في وجنتيه، كما بدت عظامه ناتئة، فيما كان الأنف مفلطحاً، فضلاً عن طقم الأسنان بعد آخر مرة نظر إلى نفسه في المرآة. وأدرك أنه لم يعد من السهولة بمكان أن يحتفظ المرء بغموض تعبيرات وجهه فيما لا يعرف شكل وجهه. ومع ذلك فإن مجرد السيطرة على تعبيرات الوجه لم تعد تكفي لإخفاء أي سر، فقد استبان له وللمرّة الأولى أنه إذا ما رام المرء أن يخفي سراً فعليه أن يخفيه حتى عن نفسه التي بين جنبيه وألا يدعه يطفو أبداً على سطح الوعي في أي شكل من الأشكال أو تحت أي مسمى من المسميات إلا في اللحظة التي يحتاج إليه فيها. وأدرك ونستون أنه من الآن فصاعداً بات يتوجب عليه ألا يكون تفكيره تفكيراً قويماً فحسب، وإنما أيضاً مشاعره وأحلامه. كما عليه في جميع الأوقات أن يحتفظ بكراهيته في حرز حريز في أعماق نفسه مثل جسم مادي هو جزء من كيانه ولكنه مع ذلك لا يتصل ببقية أعضاء جسمه.
لا شك أنهم يومَا ما سيطلقون عليه الرصاص، لكنه لم يكن يستطيع أن يحدد متى سيحدث ذلك، وإن كان من الجائز أن يتمكن من التكهن بذلك قبيل وقوعه بثوان. إن الرصاصة تأتي دائماً من الخلف أثناء اجتياز السجين أحد ممرات وزارة الحب. إن معرفته المسبقة بوقت إطلاق النار عليه بعشر ثوان كافية، فهذه الثواني العشر كفيلة بأن تقلب عالمه الداخلي رأساً على عقب. إذ فجأة، وبدون سابق إنذار وبدون أن يتوقف عن السير وبدون أن يطرأ تغيير على أي خلجة من خلجات وجهه، يسقط القناع الذي كان يلبسه وتمتلئ نفسه بكراهية أشبه بلهيب مستعر. وفي هذه اللحظة نفسها تقريباً تنطلق الرصاصة إما قبل الأوان أو بعد فواته. سيمزقون عقله إرباً إرباً قبل أن يتمكنوا من إصلاحه، وبذلك يكون التفكير الضال قد أفلت من دون عقاب أو توبة وأصبح بعيداً عن متناولهم. وهم بذلك يكونون قد تسببوا في إحداث ثغرة في نموذجهم تنفي عنهم ما يدّعون من كمال. لقد رأى أن الحرية هي أن يموت وهو يكرههم.
وأغمض ونستون عينيه، فقد كان الأمر في صعوبته يتعدى مجرد قبول نظام فكري، إنه مسألة إذلال النفس والحط من شأنها. إن عليه أن يغمر نفسه في أقذر الأقذار. وتساءل في نفسه: ترى أي شيء أكثر تقزيزاً للنفس على الإطلاق؟ وهنا خطر على باله الأخ الكبير بوجهه الهائل الضخامة (الذي كان يحسبه لرؤيته على اللوحات الإعلانية يبلغ متراً في عرضه) وشاربيه الأسودين الكثين وعينيه اللتين تلاحقان المرء أينما ذهب. ترى ما هو نوع المشاعر التي كان يكنّها للأخ الكبير؟
وفي هذه اللحظة سمع وقع أقدام ثقيلة في الممر، وفُتح الباب الحديدي محدثاً صوتاً عالياً ليدلف منه أوبراين إلى الزنزانة يتبعه الضابط الشاب ذو الوجه الكالح والحراس ذوو الزي الأسود.
وقال أوبراين: «انهض يا ونستون وتعال إلى هنا!»
ووقف ونستون قبالته فأمسك أوبراين كتفي ونستون بيديه القويتين ونظر إليه متأملاً.
وقال له: «لقد راودتك أفكار تدعوك لخداعي، لقد كان ذلك رعونة منك. قف على قدميك وشدّ قامتك وانظر إلى عيني».
وتوقف عن الكلام ثم مضى يقول ولكن بلهجة أرق:
- إن حالتك آخذة في التحسن، فمن الناحية الفكرية لم يعد يعلق بك غير أخطاء طفيفة، أما من الناحية العاطفية فقد أخفقت في إحراز تقدم يذكر. أخبرني يا ونستون، ولكن دون كذب أو خداع. ولعلك تدرك الآن أن باستطاعتي أن أعرف متى تكذب في حديثك ومتى تصدق، أخبرني ما هي مشاعرك الحقيقية إزاء الأخ الكبير؟
فأجاب ونستون: إنني أكرهه.
فقال أوبراين: «تكرهه؟ حسناً. لقد آن الأوان لأن تخطو الخطوة الأخيرة. يجب أن تحب الأخ الكبير فلا يكفي أن تطيعه وأنت لا تحبه».
دفع ونستون دفعة خفيفة نحو الحراس وقال:
- خذوه إلى الغرفة 101.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق